التحايل على الزنا

يحصل من بعض ضعاف النفوس أثناء سفرهم أو إقامتهم التحايل على الأحكام الشرعية وتسمية المحرم بأسماء شرعية، ومن ذلك التحايل على السفاح والزنى المحرم وتأطيره وإخراجه بشكل النكاح الشرعي في صورته، وحقيقته بعيدة عن ذلك.

وبغض النظر عن التسميات المعاصرة لأنواع من النكاح الحاصل أثناء السفر والسياحة، فقد بين الله الحدود الفارقة الجلية بين السفاح المحرم الخبيث من جهة، وبين النكاح الشرعي الذي هو سنة الله الكونية في الخلق وشرعته المنظمة للحياة والذي سماه في كتابه ميثاقاً غليظاً.

 ومن تلك الحدود الفارقة بين الحلال والحرام:

الإعلان والسرية:

النكاح والزواج الشرعي شرف ورفعة يحرص الإنسان على إظهاره وإشهاره، بخلاف السفاح المحرم الذي يسعى صاحبه ليواري سوءته وخسيسته عن الناس.

وقد قال صلى الله عليه وسلم: “فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت في النكاح” (الترمذي 1088, النسائي 3369, ابن ماجه 1886, أحمد 15451).

ومعنى ذلك أن الفارق بين الزنى والنكاح إظهاره وإشهاره بين الناس.

وقد اتفق العلماء على وجوب إظهار النكاح وعدم جواز نكاح السر.

واختلفوا بماذا يحصل الإعلان وارتفاع السرية؟

قال الطحاوي: “اتفق الجميع أنه لا بد من إظهار عقد النكاح للتفريق بين المعقود عليها بنكاح وبغير المعقود عليها, طائفة شرطت إظهاره للشهود, وطائفة إخراجه عن أن يكون سرا غير مكتوم وإن لم يحضره أحد ثم يشهد بعد ذلك” (مختصر اختلاف العلماء 2/251).

وقال ابن رشد: “واتفقوا على أنه لا يجوز نكاح السر.

واختلفوا إذا أشهد شاهدين ووصيا بالكتمان هل هو سر أو ليس بسر؟ فقال مالك: هو سر، ويفسخ. وقال أبو حنيفة، والشافعي: ليس بسر” (بداية المجتهد 3/44،وانظر: مرقاة المفاتيح 5/2072)

 

ولتوضيح ذلك يقال:

  1. ذهب الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة إلى وجوب الإعلان وأنه يحصل بشاهدين, فالإشهاد شرط لصحة النكاح, ويصح العقد بشروطه ولو تواصوا على كتمه (بدائع الصنائع 2/252-253, البيان 9/221-222, الإقناع 3/178).
    لكن يكره قصد كتمانه والتواصي به (الأم 5/24, كشاف القناع 5/66, المغني 7/83).
  2.  وذهب المالكية إلى أن الشرط هو ظهور النكاح، وإن تواصوا بكتمه وجعله سرًا فسد العقد ولو كان فيه شاهدان، والشاهدان لا يشترطان لصحة العقد وإنما للدخول.

وهي رواية عن أحمد ذهب إليها أبو بكر عبد العزيز من الحنابلة, واختارها ابن تيمية (مواهب الجليل 3/444, حاشية الدسوقي 2/236, القوانين الفقهية ص 131, المدونة 2/128-129، مجموع الفتاوى 32/127).

وعندهم أن الإعلان الذي هو فعل زائد بالدف والوليمة وغير ذلك مستحب, ويكفي ظهور العقد بوجود بعض الناس، وإنما المفسد للعقد التواصي بالكتمان والسر.

والراجح وجوب الأمرين جميعاً:

1- فيشترط وجود الشاهدين في عقد النكاح:

لحديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل، وما كان من نكاح على غير ذلك فهو باطل، فإن تشاجروا، فالسلطان ولي من لا ولي له” (ابن حبان 4075, وقال: لا يصح في ذكر الشاهدين غير هذا الخبر).

2- ويجب الإعلان بالقدر الذي ينفي التهمة:

وقصد كتمان النكاح والعمل على ذلك مبطل للعقد  إلا لضرورة كالخوف من ظالم.

والدليل على ذلك  حديث محمد بن حاطب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت في النكاح” (الترمذي 1088, النسائي 3369, ابن ماجه 1886, أحمد 15451. قال الترمذي: حديث حسن. وكذا حسنه الألباني في إرواء الغليل 7/51).

فمعنى الحديث يدل على وجوب الإعلان, لأن المقصود من الدف والإنشاد إعلان النكاح.

قال ابن الأثير: “والمراد به إعلان النكاح” (النهاية 2/125).

وقال المناوي: “والمعنى أن الفرق بين النكاح الجائز وغيره الإعلان والإشهار” (فيض القدير 4/430).

ويؤيد ذلك حكاية ابن الأثير روايةَ رزين العبدري: “فإن فصل ما بين الحلال والحرام: الإعلان” (جامع الأصول 8975).

قال ابن تيمية: “فلهذا كان عمر بن الخطاب يضرب على “النكاح السر” فإن نكاح السر من جنس اتخاذ الأخدان شبيه به لاسيما إذا زوجت نفسها بلا ولي ولا شهود وكتما ذلك: فهذا مثل الذي يتخذ صديقة ليس بينهما فرق ظاهر معروف عند الناس يتميز به عن هذا، فلا يشاء من يزني بامرأة صديقة له إلا قال: تزوجتها. ولا يشاء أحد أن يقول لمن تزوج في السر: إنه يزني بها إلا قال ذلك, فلا بد أن يكون بين الحلال والحرام فرق مبين قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ } وقــال تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} فإذا ظهر للناس أن هذه المرأة قد أحصنها تميزت عن المسافحات والمتخذات أخدانا, وإذا كان يمكنها أن تذهب إلى الأجانب لم تتميز المحصنات كما أنه إذا كتم نكاحها فلم يعلم به أحد لم تتميز من المتخذات أخدانا…” (مجموع الفتاوى 32/126-127).

اشتراط الولي:

ذهب جمهور أهل العلم إلى اشتراط الولي في النكاح وأن النكاح بلا ولي نكاح باطل (مواهب الجليل 3/419, مغني المحتاج 4/226, شرح منتهى الإرادات 2/637).

دليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: “أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له” (أبو دود 2083, ابن ماجه 1879, الترمذي 1102 وقال: هذا حديث حسن. وقال ابن الملقن في البدر المنير 7/553: هذا الحديث صحيح).

وينبه على أنه:

• ينبغي التأكد من أن الرجل الذي مع المرأة ولي لها حقًا؛ لأنه يكثر التلاعب في هذا الأمر.

• كما ينبغي التأكد من أن الولي هو الولي الأقرب بحسب ترتيب الأولياء، فلو زوجها الولي الأبعد مع وجود الأقرب مثل أن يزوجها الأخ مع وجود الأب لم يصح النكاح على عند  جمهور أهل العلم (انظر: المجموع 16/162, المغني 7/28).

الزواج المؤقت عرفاً:

اتفق أهل العلم على تحريم وبطلان زواج المتعة وهو الزواج المؤقت بزمن أو الزواج بشرط الطلاق بعد مدة معينة (انظر: الزواج بنية الطلاق).

وفي بعض المناطق السياحية الفقيرة يكون توقيت النكاح عرفاً دارجاً وإن لم يذكروه في العقد، فالسائح يتزوج فترة قصيرة ثم يُطَلِّق ويعود إلى بلده، والمرأة أقدمت على الموافقة بناء على هذا التصور لتكسب بعض المال لها ولأهلها، وليس في تصورها أو تصور أهلها استمرار ذلك الزواج بحال من الأحوال، ومن القواعد الفقهية المشتهرة أن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، فذلك العرف كالشرط المتفق عليه بينهم.

وقد أفتى الشيخ محمد بن عثيمين فيمن أخبر المرأة عند الزواج بنيته الطلاق بعد فترة حتى لا يغشها بأنه زواج متعة فقال: “فإن بيَّن لهم أنه يريد أن تبقى معه مدة بقائه في هذا البلد، واتفقوا على ذلك: صار نكاحه متعة” (الباب المفتوح سؤال 1391).

الإحصان:

يشترط لحل الزواج بالمرأة أن تكون محصنة غير مظهرة للزنى مشتهرة به ولا متخفية به، ومتى ما علم كونها زانية فلا يحل الزواج منها إلا بشرطين:

1- أن تظهر التوبة من الزنى والفحش, لقول الله تعالى: {وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} ,فمعنى الآية على أحد التفسيرين: الزانية يحرم أن يتزوجها الرجل العفيف قبل أن تتوب من الزنا.

وعن مرثد رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله, أنكح عناقًا –وهي بغي كانت بمكة-؟ فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرد علي شيئًا حتى نزلت: {الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إلا زَانٍ أَوْ مُشْرِك}، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا مرثد, الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك، فلا تنكحها” (الترمذي 3177 وقال: حديث حسن غريب).

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رجلاً استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأة يقال لها أم مهزول كانت تسافح وتشترط له أن تنفق عليه، قال: فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ذكر له أمرها، قال: فقرأ عليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم): {الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِين}” (أحمد 6480, قال الهيثمي في الزوائد 7/74: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط بنحوه، ورجال أحمد ثقات).

2- أن تستبرئ من الزنا كعدة المطلقة أو بحيضة كاستبراء الأمة على خلاف بين أهل العلم في ذلك (انظر: المغني 7/108).

قال ابن تيمية رحمه الله في ذم الزواج بالزانية: “ثم المسلمون متفقون على ذم الدياثة ومن تزوج بغيًا كان ديوثًا بالاتفاق, وفي الحديث “لا يدخل الجنة بخيل ولا كذاب ولا ديوث” قال تعالى: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} أي الرجال الطيبون للنساء الطيبات, والرجال الخبيثون للنساء الخبيثات, وكذلك في النساء فإذا كانت المرأة خبيثة كان قرينها خبيثا, وإذا كان قرينها خبيثا كانت خبيثة, وبهذا عظم القول فيمن قذف عائشة ونحوها من أمهات المؤمنين ولولا ما على الزوج في ذلك من العيب ما حصل هذا التغليظ..” (الفتاوى 32/146).

تذكر

1. فرق الإسلام بين النكاح والزنى المحرم بعدد من الفروق.

2. يحرم الزواج المؤقت بشرط أو بعرف دارج.

3. يجب إعلان النكاح بالقدر الذي يبعد التهمة.

4. يحرم الزواج بالزانية حتى تتوب وتستبرئ من الزنا.