السِّلْمِ هو الإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم

بعد الإيمان أمرنا الله بالدخول في السلم:

قال تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)

[سورة البقرة 208]

أيها الأخوة الكرام: يخاطب الله الذين آمنوا به، آمنوا بكماله ووحدانيته، وآمنوا بأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى، وبعلمه، وحكمته، وقدرته، ورحمته

(ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)

فالأصل أن تؤمن بالله، فإن أمنت به الآن اتبع أمره، ما هو أمره؟

(ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)

والسلم هنا هو السلام.

السلم هو الإسلام:

السلم هو الإسلام، لمَ سمي هنا السلم؟ لأنك

1. إن أسلمت فأنت في سلام مع ربك:

إن أطعت الله عز وجل كنت في سلام مع الله، لا تنتظر من الله إلا كل إكرام، فيجعل الله لك نعم الدنيا متصلة بنعم الآخرة،
وإذا كنت مطيعاً لله فأنت معه في سلام، لأن المعاصي والآثام هي سبب كل المصائب والآلام، فإذا كنت مع الله في سلام، فأنت في حصنٍ حصين،
إن طبقت كلامه فأنت في سلام مع الله، تشعر أن الله معك، لا توجد مفاجأة، ولا مرض عضال، ولا دمار، ولا قهر، ولا فقر مدقع، ولا فضائح، الله معك، يحفظك، لأنك أنت معه فهو معك،

كن مع الله تر الله معك

2. إن أسلمت فأنت في سلام مع نفسك:

وإن أطعت الله عز وجل كنت في سلام مع نفسك، لأن النفس جبلت على طاعة الله والقرب منه،
إن أطعت الله عز وجل ارتاحت نفسك وأراحتك، وإن عصيت الله أتعبتها وأتعبتك، أكثر الأمراض النفسية والعقد هي بسبب خروج الإنسان عن فطرته،

3. إن أسلمت فأنت في سلام مع من حولك:

إذاً أراد الله من الإسلام أن يكون سلماً، لأنك إن أسلمت حقيقة أنت في سلام مع الله، وفي سلام مع نفسك، ومع من حولك، فالمطيع يحبه كل من حوله، لأنه وقاف عند حقوقه، لا يأخذ ما ليس له، ووقاف عند حقوق الآخرين، فالإنسان المسلم يثني عليه كل من حوله ويحاول أن يخدمه، لأنه أخذ ما له وترك ما ليس له، هذا هو الحد الأدنى: العدل والإحسان، المؤمن محسن، والإحسان يجلب القلب،
أنت حينما تنصاع لله عز وجل ترتاح نفسك وتريحك، يرتاح من حولك ويريحونك، اسأل زوجة كان زوجها شارداً، ثم تاب إلى الله، تجده قد انقلب 180 درجة، وصارت أخلاقه رضية، عنده رحمة، وصار منطقياً، وواقعياً، وأصبح يحترمني، ويريحني، وقد كان وحشاً، كان في خصومات مع زوجته، فصار في سلم معها، عندما يصطلح التاجر مع الله عز وجل يحبه كل من حوله، كان أنانياً، ووصولياً، ومادياً، وكان يكذب، ويحتال ليربح، وقد أصبح الآن يأخذ ما له ويدع ما ليس له، لا توجد كلمة أروع لتعبر عن الإسلام من كلمة السلم:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)

عندما تكون أباً مسلماً، تكون محسناً لأولادك، ينعكس إحسانك لهم محبة منهم لك، تجد أولاد الأب المسلم يحبونه حباً جماً، والزوج المسلم تحبه زوجته، لأنه وقاف عند كتاب الله، إن أحبها أكرمها، وإن لم يحبها لم يظلمها، وموظف مسلم يحبه كل من حوله، لا يستكبر عليهم بل يعاملهم بالود والرحمة والإحسان أينما ذهب، وتاجر مسلم يبيع بضاعة جيدة بسعر معقول، لا يغش الناس، لا يحتال عليهم، فأينما حل المسلم هناك من يحبه، ويلتف حوله، ويقدره، ويمحضه الود والإخلاص، دخل في السلم معناها انظر إلى المؤمن ليس له عدو تقريباً، ما دام مطبقاً للشرع فكل الناس يحبونه.
في سلام مع نفسه، وجيرانه، وأقربائه حتى مع عدوه، فهناك منهج يحكمه، لا يوجد تطاول، ولا عدوان، هناك حرب شريفة، ليس فيها تنكيل، ولا تمثيل، ليس فيها كيل الصاع عشرة،

4. إن أسلمت فأنت في سلام وانسجام مع بقية المخلوقات:

فالنقطة الدقيقة هي أن الإنسان حينما يستقيم على أمر الله يعيش حالة السلم أي حالة السلام مع كل المخلوقات.
قال تعالى:

(وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)

[سورة الإسراء: 44]

قال النبي عليه الصلاة والسلام:

يا حنظلة، لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة، ولزارتكم في بيوتكم

أي عندما يكون الإنسان مع الله عز وجل ينشأ عنده حالة شفافية، كأنه يحس بمشاعر الحيوانات، يحس بشعور النبات، في سلام مع النبات، مع الحيوان، والجماد، فإذا كنت مع الله أنت كنت صديقاً لها،
المؤمن حينما يموت تبكي عليه السماء والأرض، بينما الكافر فما بكت عليهم السماء والأرض، معنى السماء نفوس لها مشاعر، والأرض نفوس لها مشاعر،
فإذا كنت مع الله كنت في وئام وانسجام مع بقية المخلوقات، هذه الوحدة، لأنك متناغم مع كل المخلوقات، فلا يوجد لك عدو، كلها مخلوقات مسبحة لله عز وجل، وأنت مع الله، إذاً هناك انسجام، فالمؤمن صديق النبات، وصديق الحيوان، فإذا قتله ليأكله لا يعذبه،

وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، ويرح ذبيحته

ما قبِل النبي عليه الصلاة والسلام أن تذبح شاة أمام أختها،
قال له:

هلاّ حجبتها عن أختها! أتريد أن تميتها مرتين؟

القضية دقيقة جداً.
كن مسلماً، هل يمكن أنْ تعذب سمكة، لا يمكن، الآن اصطدتها لا بد أن تجب جنوبُها ترتاح، بعدئذٍ تنزع أحشاءها، شاهدت مرة إنساناً يذبح دجاجة، وبعد أن ذبحها مباشرة غمسها في ماء يغلي لينزع ريشها بسهولة، وهي لا تزال حية!

img

يأتي هذا الطائر يوم القيامة وله دوي تحت العرش، يقول: يا رب سله لم قتلني؟

المؤمن قد يصطاد طائراً ليأكله في سفر، وهو مضطر أن يأكله، فحينما يصطاد الطائر أو غيره ويؤكل، صار الطائر له عمل، قدم لك خدمة، أنقذك من الموت، أما قتلته وألقيته في الطريق؟هذا ليس من الإسلام.

5. إن أسلمت فأنت في سلام مع البيئة:

img
ما يجري من تلويث للطبيعة فالكفر سبب هذه البيئة الملوثة، هناك رغبة جامحة لتجميع أموال الأرض كلها، ذاً قضية النمو والصناعة هذه كلها على حساب نقاء الجو، وعندما صار غاز الفحم بكميات أكبر مما ينبغي ارتفعت الحرارة، وتبدلت خطوط المطر، وحدَثَ تبدل جذري في المناخ الآن، ويمكن أن تلاحظوا شيئاً غير طبيعي،

img 

رياح عاتية تجتاح بعض البلدان، سرعتها عالية جداً، ناقلة نفط شطرتها شطرين، أشجار عملاقة اقتلعت من جذورها، صور الدمار الذي أصاب بعض البلدان بسبب هذه الرياح العاتية يفوق حد الخيال،

 

img 

أمطار في إحدى البلدان قتلت مئة ألف إنسان، وشردت مئتي ألف، ومدن بأكبرها غمرت بالأوحال في هذه البلد،

 

img 

هنا جفاف منقطع النظير، فقد بلغتْ درجة الحرارة عشرين درجة في أيام الشتاء الذي كان قارساً! في أيام الثلوج، والأمطار، البرد، والمعاطف، جو ربيع، وجو صيف،

img 

وهناك تخريب للبيئة، لأن الإنسان لوث البيئة بصناعته، حتى الفضاء الخارجي ملوث بهذه الإرساليات التي تملأ الفضاء الخارجي، الجو ملوث، هناك من يقول: إن الجو العام بسبب هذه الشحنات الكهرطيسية صار الجو غير سليم،

فقضية ادخلوا في السلم أي الإسلام، أنت إن أسلمت فأنت في سلم، مع كل الأطراف، وجمال الحياة أن تكون على وئام وود مع كل من حولك، شجرة تقطعها بلا سبب فتلعنك، وإنسان يبول في أصل شجرة تلعنه الشجرة، لأن أصلها ليس مكاناً للبول مثلاً، فالكافر متفلّت كالدابة، يلعنه كل شيء، ويحتقره كل شيء، لأنه يؤذي كل شيء، أما المؤمن إذا مشى مَشى متواضعاً، لا يؤذي مخلوقاً فهذا المخلوق يسبح الله عز وجل، ولا يشوه نباتاً، ولا يقطع نباتاً من دون سبب وجيه.
الذي أريد أن أقوله عندما قال ربنا عز وجل:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)

أي ادخلوا في الإسلام الذي هو سلم مطلق، سلم مع كل الجهات، فالكون متناغم، الكون مسير، وكله مسبح لله عز وجل، فأنت حينما تسلم أنت تتناغم مع الكون، وكأنك صرت لبنة في بناء شامخ، وليس لغماً مهدماً، فمن يضع لبنة في بناء ليُتمِّمْهُ ليس كمن يضع قنبلة تفجر من حوله، الكافر قنبلة مدمرة، حتى في صناعته، حتى في قضية إنتاج الكهرباء من الذرة صار هناك تلوث إشعاعي، إنه شي مخيف، كل شيء يأتينا من بلاد حدث فيها انفجار ببعض المحطات النووية ملوث، فالحليب ملوث، والخضار، والفواكه، ولحم الدجاج، والخرفان، تلوثاً إشعاعياً يسبب السرطان، فالكافر أفسد الحياة الدنيا إذ أفسد الأجواء، وشوه طبيعية الإنسان، وأفسد نقاء الإنسان والأطفال،
السلم يعني سلاماً، وكما قلت قبل قليل بدءاً من الله سلام مع الله، وسلام مع الذات، ومع الأهل، والأولاد، والجيران، والمؤمنين، والخلق، والناس كلهم، والحيوانات، والأطيار، والأسماك، والنبات، والجماد،

الدخول في الإسلام بكُليتك :

(ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ)

هناك نقطة في كلمة

(فِي)

فِي تعني الظرفية، نقول: الماء في الكوب، أي أنّ الماء كله في الكوب، والكوب ظرف، استوعب المظروف،
إذا قال الله عز وجل:

(ادْخُلُوا فِي)

أي يجب أن تدخل كلك في الإسلام، ليس أن تؤدي عبادات شعائرية بالمسجد، بل أن تدخل أنت وتجارتك، وزواجك، وتطليق زوجتك، وأفراحك، وأتراحك، وسفرك، وإقامتك، أنت ككيان بكل حركاتك، وسكناتك، ونشاطاتك، وجوانب شخصيتك ضمن الإسلام، لا يوجد لك نزاعات نافرة، ولا أشياء خارجة عن الإسلام، ولا أفكار غير صحيحة وشاذة، ليس لك سـلوك شـاذ، ولا تصـرفات شاذة:

(ادْخُلُوا فِي)

يعني أدخلنا هذا الماء بالكأس، فاستوعب الكأسُ الماءَ كله، ولا ماء خارج الكأس، فكلمة

(فِي)

تعني شيئا في شيء. الطلاب في الصف، يعني جميع الطلاب في قاعة الصف. الأخوة الكرام في المسجد، كلهم في المسجد، أي استوعبهم المسجد.
إذا أنت دخلت في الإسلام يعني طبقت فيه العبادات الشعائرية، والعبادات التعاملية، وطبقت عملك وفق الإسلام، وتجارتك، هذه

(ادْخُلُوا فِي)

أما إنسان ربعه ضمن الإسلام، وثلاثة أرباعه خارج الإسلام، وسفره غير إسلامي، وبيته، وعمله، ودخله، وإنفاقه، واستثماره للمال غير إسلامي، يقول لك: والله يا أخي هذا العمل يعطي أرباحاً طائلة، كله معاص وآثام، طبعاً هناك أرباح طائلة، أنت جزء من مالك مستثمر بطريق غير مشروع مثلاً، فأنت لست بكلك في الإسلام، ما أدخلت الإسلام كلك، ثمة قسم لم يدخل في الإسلام، فجزء من دخلك غير إسلامي، جزء من لهوك غير إسلامي، جزء من علاقاتك الاجتماعية غير إسلامي، أي أنت ما دخلت كلك في الإسلام، بل بقي بعضك خارج الإسلام، أما الآية:

(ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ)

كلك ضمن الإسلام، بتفكيرك، وبعقيدتك، وبلهوك، ومرحك، بجدك، وحزنك، وفرحك، وتجارتك، وإقامتك، وسفرك، وعلاقاتك، وعطاءك، ومنعك، وصلتك، وقطيعتك، وغضبك، ورضاك، كلك للإسـلام، تطبق منهج الله عز وجل، هذا معنى

(ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ)

السلم الظرف وأنت مظروف، الظرف يجب أن يستوعب المظروف، فأنت ينبغي أن تكون كلك ضمن الإسلام.
النقطة الدقيقة أيها الأخوة، أن الله عز وجل سمى الإسلام سلماً، وليس هناك أجمل من حالة السلم فأنت مرتاح، إذا كان شركة فيها مشاكسة فالحياة فيها جحيم، أما مثلاً إذا كان فيها ود، وتفاهم، وتسامح، وتكافئ، تجد منها راحة نفسية، أجمل بيتٍ بيتُ المسلم، الشرع مطبق فيه، الزوجة لها حقوق وعليها واجبات، والزوج كذلك، والابن له منهج، هذا معنى قول الله عز وجل:

(ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ)

أي إنّك ضمن المنهج في بيتك، وعملك، ولهوك، وفرحك.

الدخول في الإسلام كافة:

أما النقطة الدقيقة جداً هنا كلمة

(كَافَّةً)

المعنى الأول: لكلمة كافة:

النقطة الدقيقة أنه إذا توسع الإسلام وانتشر فإنّ ثماره تظهر الآن على مستوى مسجد، كل الأخوة صادقون، لا يكذبون، ولا يغشون، أعفة مثلاً، تجد أنّ لقاءاتهم ممتعة، فهناك سعادة وثقة مريحة جداً، حتى في التعامل التجاري الأمر مريح، لا يوجد كذب، ولا احتيال، ولا غش، ولا غدر، ولا قنص، أما الآن فالناس كل واحد لغم لا تدري متى ينفجر فيحطم من حولـه، أما المؤمن فهو مسالم، يعيش ثلاثين سنة لا يشكو منه أحد، وليس له قضية عند الشرطه إطلاقاً، يعرف حدوده، وقاف عند كتاب الله، يعلم ما له، وما عليه.
هذه أول نقطة

(ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)

تعود كافة على المؤمنين.
ولتوضيح المعنى أورد هذا المثل: لو كان عندك هاتف، ولك خمسون صديقاً لا يملك أيٌّ منهم هاتفاً، فما قيمة هاتفك؟ لم يعد له قيمة إطلاقاً، أما قيمة هاتفك إذا كان عند كل أصدقائك هواتف، أنت صادق، والكل يكذبون، هم انتفعوا بصدقك، وأنت لحقك ضرر بكذبهم، هذا يحدث دائماً، المؤمن صادق، وسبيله الصدق، وعنده حسن ظن، كل من حولك يكذب عليك، أما هو فيصدق معهم جميعاً، الثمرة المرجوة لم تتحقق، لأنهم ما دخلوا في السلم كافة، بل دخل واحد واثنان، والبقية كذابون، أنت لا تغش، أنت مخلص، والبقية يغشون، فأنت ضاعت ميزتك مع فيضان الغش في المجتمع، ما ظهر الدين، الآن مشكلة الدين أنه ما ظهر، والأكثرية يكذبون ويغشون ويحتالون وينافقون، فالصادق المخلص الجريء الواضح لا يظهر، أما لو طبق الكل الإسلام، تجد له روعة ما بعدها روعة، الكل صادقون، والكل أمناء.
قدم أحد الأخوة إلى بيتي ليدهن البيت، تركت البيت كما هو، وذهب الأهل إلى بيت أهلهم، استغرب الجيران، ذلك لأنّهم ما عرفوا أنّ المؤمن مؤتمن على الروح، الإنسان المؤمن ترتاح معه، لا تخشى منه أنه يغدر بك، أو يسرق منك، أو يغشك، التعامل مع المؤمن مريح جداً.

المعنى الثاني: لكلمة كافة:

(ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)

تعود على الإسلام، أي خذوه بأكمله، لا تأخذوا بعضه، إذا أخذتم بعضه وتركتم بعضه الآخر لم تقطفوا ثماره، فالإسلام منهج كامل، فيه عبادات شعائرية، صوم وصلاة وحج وزكاة، وفيه عبادات تعاملية، وآداب، وعقائد، فأنت يجب أن تدخل في الإسلام كله، بعقائده، فلا يوجد عندك بالعقائد خلل، تصورات غير صحيحة، أفكار غير صحيحة عن الآخرة، تتهم الله في عدله وأنت لا تشعر، تتهم النبي في كماله وأنت لا تشعر، أما إذا دخلت في الإسلام عقيدة، وعبادة، وتعاملاً، وأخلاقاً، وتفوقاً، أي دخلت في الإسلام كله

(ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)

يعني جميعاً ادخلوا وطبقوا أحكامه جميعاً.

المجتمع الإسلامي سبب انتظامه هو أن الله عز وجل هو المشرِّع :

النقطة الدقيقة هي أن الإنسان حينما يشرع يُشرِّع لمصلحته، فكل مشرع منتفع بتشريعه، أردنا أن نعيّن تعويضات، فمن يضع لنفسه التشريع رقمها فلكي، أما تعويضات الطبقة الدنيا فرقمها رمزي، أي مبلغ بسيط جداً، لأن المشرع وضع لنفسه أكبر مبلغ، لا يجوز أن يشرع من ينتفع بتشريعه، فتنشأ منازعة، يقول لك فلان شرع وأنا مثله، يجب ألاّ أنفذ كلامه، أو أن احتال عليه، فأكثر مشكلات البشر أن المشرِّع بشر، والمشرَّع له بشر، وقد يكون أذكى من المشرع، تنشأ منازعات، لأن المشرع منتفع بتشريعه، أما إذا كان التشريع من عند الخالق انتهى الأمر، الكل ينصاع، سبب انتظام المجتمع الإسلامي لأن الله عز وجل هو المشرع، والله وحده فوق الخلق في التشريع، نحن مشرَّع عليه،
المشرع خالق الكون أعطى توجيها معيناً، منع شيئاً وسمح بشيء،

لا وصية لوارث

انتهى الأمر، فليس هناك وصية لوارث، هذا التشريع ليس أرضياً، وليس من بني البشر، المشرع هو الله عز وجل،
إذاً أسباب المنازعات بين البشر سبب العناد بين الأشخاص اختلاف الأهواء، لأنّ الأهواء متناقضة، والأشخاص أقوياء وضعفاء، فصاحب الهوى الأقوى ينتصر ويذل الآخرين، تكاد تكون أكثر مشكلات الأرض تقريباً من تنازع الأهواء، أما المجتمع الإسلامي المشرع هو الله، فكل الخلق يخضعون لهذا التشريع، ويحدث انسجام، أي عندما يكون المبدأ كبيراً من عند خالق الكون يكون المتبعون لهذا المبدأ على رضى، وعلى سرور، وعلى طاعة تامة، لأن طاعتهم لهذا المبدأ ليس قهراً لهم.
أما أن يقهرك إنسان مثلك بأمر، يمنعك من شيء وأنت مثلك مثله لا تحتمل، تنشأ منازعة، أما أن يمنع الخالق هذا الشيء فإنّ تقبله برضى تام،
أوضح مثل الصيام، يعني لو أن إنساناً شرع الصيام، أو دولة شرعت الصيام لأن الصيام للصحة و…، كم إنساناً يصوم صياماً حقيقياً؟ ولا واحد، يدخل البيت يشرب، طبعاً بالطريق لا يشرب، ولا بمكان العمل، لأنه مراقب، يشرب بالبيت، أما عندما يشرع الله الصيام يكاد الواحد يموت عطشاً، وهو بالبيت وحده، والماء بارد كالزلال، ولا يشرب نقطة ماء،
فعندما يشرع الله فالكل يخضع، يطبق التشريع بحذافيره، وبتفاصيله، وبدقائقه، إذاً النقطة الحساسة أنّه يجب أن يكون المشرع غير منتفع بتشريعه، من الذي لا ينتفع بالتشريع؟ هو الله وحده، فالمشرع هو الله، نحن يشرع لنا، وإذا علمنا أن المشرع هو الله عز وجل نخضع له جميعاً دون أن نتنازع، مشكلات الأرض في التنازع، والتنازع تضاد للأهواء، تنازع الأهواء أنّ الإنسان لن يخضع لإنسان آخر إلا إذا رآه أقوى منه، إذ يخضع له مقهوراً، أما الإنسان حينما يؤمن بالله عز وجل يخضع له طائعاً، فالحياة لا تصلح إلا بتشريع سماوي، وهذا التشريع تنتفي عنه الأهواء والمصالح، وهو عدل، لأن الله هو العادل.

والحمد الله رب العالمين