القسوة والعنف هل لهما مكان في الإسلام؟

 

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الإخوة الكرام، موضوعنا مستوحى مما يجري في العالم كله من قسوة وعنف، وقمع وقهر، وما في الإسلام من الرحمة والعدل.

القسوة ليست من الإسلام:

أيها الإخوة الكرام، وردت كلمة القسوة في القرآن الكريم في سبعة مواضع، كلها سيقت في معرض الذم، قال تعالى:

(ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ)

[سورة البقرة: الآية 74]

 

img

وقال تعالى:

(فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ)

[سورة الزمر: الآية 22]

قال رسولَ الله صلى الله عليه وسلم:

الإيمانُ ها هنا، وأشار بيده إلى اليمن، والقسوةُ وغِلَظُ القلوب في الفَدَّادين عند أصول أذناب الإبل، حيث يطلُع قَرْنا الشيطان في ربيعة ومُضَر

[حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم]

أيها الإخوة الكرام، والنبي عليه الصلاة والسلام استعاذ من القسوة:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلا مِن شَقيٍّ

[من حديث حسن، أخرجه الترمذي]

والشاة إن رحمْتَها رحمك الله.
وإنما بعث النبي عليه الصلاة والسلام، كما تعلمون، رحمةً للعالمين.

القسوة والعنف في كافة الطبقات الاجتماعية:

img

أيها الإخوة الكرام، هناك عنف اجتماعي، أنا أتحدث عن الطبقة التحتية، عن الطبقة الدنيا، هؤلاء عندهم عنف لا يعلمه إلا الله:
عنف ضد المرأة، فكم من امرأة تُضرَب ضرباً مبرّحاً، وتطرد في منتصف الليل.
وعنف ضد الأطفال، وضد الضعفاء أو الغرباء الذين لا سند لهم…
هذا عنف قائم في المجتمعات ، وأنا لا أعمّم، فالتعميم من العمى، وينتظر من المتدينين، ومن روّاد المساجد أن تكون بيوتهم جنة، حتى لو كانت ضيقة، أن تكون بيوتهم بيوت رحمة، حتى لو كانت خشنة.
أيها الإخوة الكرام، وأحياناً تجد العنف ممن يسمي نفسه مثقفاً، أو ممن يوجّه الناس، فهو يتظاهر بالتواضع، ولكن أحداً إذا ناله بكلمة بطش به بطشَ الجبابرة.
هناك عنف الأقوياء، والعياذ بالله، عنف في بطشهم، وهناك عنف المعارضين، وكلاهما عنف مردود ومدان.

القسوة والعنف ضعف في الشخصية واختلال في التوازن:

 

img 
أيها الإخوة الكرام، العنف الذي في العالم سبب ما يجري في العالم، لأن العنف لا يلد إلا العنف، أعطيكم صور هذا العنف وملامحه القاسية من خلال تعاظم حالة نفسية لها آثار خطيرة يتوهمها صاحبها هي صناعة الرعب، ويظن أنه حالما يظهر يتجمد الآخرون أمامه وأن هذا من قوة الشخصية، لا، هذا من ضعف الشخصية، هذا من أمراض نفسية، هذا من إحساس بالنقص، هذا من شعور بالذنب، هذا من اختلال في التوازن.
أيها الإخوة الكرام:
يقول الصحابي الجليل جرير بن عبد الله رضي الله عنه:

ما حَجَبني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم منذُ أسملتُ، ولا رآني إلا تَبَسَّم في وجهي

[حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم]

هكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام.

أشكال القسوة والعنف:

1. القسوة والعنف اللفظي :

 

img

أنا أخاطب مدير شركة، مدير مدرسة، مدير مستشفى، كل من كان مقطّب الجبين، وكل من بثَّ الرعبَ فيمن حوله وهو يعدّ نفسه قائداً حكيماً، وشخصيةً قوية، لا، قوتك في تواضعك، قوتك في أن يلتفَّ الناسُ حولك، قوتك في أن تملأ قلوبَ من حولِك بمحبتك.
هناك عدوان لفظي، أصوات عالية، صراخ، وقد أورد الفقهاء أنه تجرح عدالة الإنسان إذا علا صوته في بيته، أصوات عالية، صخب، ضجيج، صراخ، شتائم، تهديد، وكم من بيت يعلو صياح أهله طوال الليل.
أضرب لكم بعض الأمثلة:
امرأة قدمت لزوجها ساعة كهدية، قال: كم ثمنها؟ أخبرته، قال: مضحوكٌ عليكِ بهذا الثمن، غالٍ جداً، لا تستأهل هذا الثمن، هذا ردةُ فعلِه لمن قدمت له هدية.
رجل قدم لزوجته وردة، فشمتها، ثم ألقتها، قالت: ما لها رائحة.
قال صلى الله عليه وسلم:

الكلمة الطيبة صدقة

[من حديث صحيح، أخرجه مسلم]

معظم الناس يحمِّرون الوجوه، يحرجون بعضهم بعضاً، يسفهون أقوال بعضِهم بعضاً، يحجّمون بعضهم بعضاً، لا في موضوعات العقيدة الخطيرة، هذا موضوع آخر، لكن في شؤون الحياة التافهة، همّه أن يقتنص، همّه أن يصغّر الإنسان، همّه أن يحمِّر وجهَه، هذا كله ينضوي تحت بند العنف، عنف في الملامح، تقطيب، تجهّم، عنف في الألفاظ.

2. القسوة والعنف الجسدي:

أيها الإخوة الكرام، فضلاً عن العدوان على الآخرين بالضرب والمهاجمة والقتل، قد رأيتم ذلك في مجالس نيابية، ضرب بالكراسي، وهو نوع من العنف.

img 

أسباب القسوة والعنف:

أيها الإخوة الكرام، لو حللنا تحليلاً عميقاً علمياً موضوعياً سببَ العنفِ:

1. القسوة على المرأة:

 

img

أسرة جافية، أسرة قاسية فقيرة بالعواطف:
التحية ضرب، والمزاح قاسٍ جداً، هناك أسر هكذا، الدراسات أثبتت أن خمسين إلى ثمانين بالمائة ممن يضربون زوجاتهم رأوا آباءهم من قبلُ يضربون أمهاتهم، الطفل ينشأ على ما يرى، فالأب الهادئ الحليم الرقيق يشيع في الأسرة كلِّها الرحمة والرقة والحلم، والأب العنيف القاسي الذي يعلو صوته يشيع في أسرته في غيبته العنف والقسوة وارتفاع الصوت.
أيها الإخوة الكرام، امرأة من ثلاثِ نساء معها أمراض نفسية، واكتئاب، وتوتر بسبب عنف زوجها.
أيها الإخوة الكرام، كم من امرأةٍ تعيش القهر المدمر في ظل زوج لا يرى لها حقّاً، ولا يقيم لها وزناً.

2. القسوة ضد الأطفال:

 

img

أيها الإخوة الكرام، عنف ضد الأطفال، معلم قاسي القلب، يضرب ضرباً مبرحاً لغلطة تافهة، يحطّم شخصية الطفل، ينشئ عند الطفل العقد النفسية، إما أن يسخر منه، أو من أهله، أو من شكله، أو من قصره، أو من ضعفه بالمادة، تجد الأطفال عندهم مجموعة عقد، من أين؟ من أب قاسٍ لا يرحم، من أم قاسية، من معلم قاسٍ، هذا الطفل وردة نسحقها بأرجلنا.
أيها الإخوة الكرام، هذا الذي يسحق أولاده، ويقسو عليهم، يضربهم ضرباً مبرحاً، يضربهم أمام الضيوف أحياناً، إن تكلم أمام الضيوف أسكته، يقول له: اخرس، هذا الأب ماذا لو كان عقيماً، يرى الصبيان، وهو محروم منهم، ماذا لو مرض ابنه، أيظل قلبه في مكانه؟ ماذا لو مات ابنه؟
أيها الإخوة الكرام، أحياناً تجد زوجاً لا يعرف نعمة الزوجة، وتجد امرأة لا تعرف نعمة الزوج، وتجد أباً لا يعرف نعمة الابن، وتجد ابناً لا يعرف نعمة الأب.
أيها الإخوة الكرام:
قال رسولَ الله صلى الله عليه وسلم:

إني لأقومُ في الصلاة أريدُ أن أطوِّل فيها، فأسمعُ بكاءَ الصَّبيِّ فأتجوَّزُ في صلاتي، كراهية أن أشقَّ على أُمِّه

[حديث صحيح، أخرجه البخاري]

نبيُّ الأمة في صلاة الفجر ينبغي أن يقرأ الصفحات من القرآن، يقرأ أقصر سورة رحمةً بالأم التي يناديها ابنها ببكائه، لماذا جفت عواطفنا؟ لماذا تسللت القسوة إلى معاملاتنا؟ لماذا نربّي أولادنا على الثأر والانتقام؟
أيها الإخوة الكرام، أحياناً حالات الطلاق سببها العنف، هؤلاء الأزواج الذين يطلقون زوجاتهم جزافاً بسبب أو بغير سبب، ماذا يفعل الطلاق في نفوس الصغار؟ يتمزقون بين أمهم وأبيهم.
أيها الإخوة الكرام، هذه البيوت هكذا، أما المدارس فهي أشبه بالثكنات العسكرية، تعتمد على حشو المعلومات، وحقنها، وتنحاز إلى الجانب المعرفي على حساب التربية وبناء الشخصية،
يقول عليه الصلاة والسلام:

علموا ولا تعنفوا، فإن المعلم خير من المعنف

[حديث أخرجه الحارث في مسنده بإسناد ضعيف]

3. القسوة في الإعلام :

أيها الإخوة الكرام، قال لي أحدهم: لا تجد على الشاشة إلا القسوة، والعنف، والجنس فقط، هذا الذي يتربى عليه الناس، وسائل الإعلام تعرض مشاهد العنف والقتل ترفيهاً أو إخباراً، هل تخلو نشرة أخبار من مشهد القتل والجرحى والقتلة؟ هذا الشيء ماذا يفعل في نفوس الصغار؟ يتراكم عندهم إلى أن يصبحوا عنيفين حتى في بيوتهم،

4. القسوة والعنف الدوليين:

 

img

الأحداث العالمية تصنع القسوة، اجتياحات، الأحداث العالمية فيها قسوة لا تعد ولا تحصى، وقد قيل في مؤتمر القمة قبل يومين: إن مجلس الأمن هو مجلس الرعب، لأن كل قراراته تنصب على الدول الضعيفة، وإذا أمر بحصار اقتصادي من يدفع ثمن هذا الحصار؟ الشعب فقط، المقصودون بالعقوبة لا ينالهم شيء، إلا أن هؤلاء الفقراء ينالهم كل شيء، مجلس أمن يطالب الدول بالديمقراطية، وهو يستخدم الأسلوب القمعي، والكيل بمئة مكيال، أليس هذا عنفاً؟ حق النقض أليس عنفاً؟ أليس قمعاً؟ أليس قسوة؟ ماذا قال الضيف الإسباني في مؤتمر القمة؟ قال: الإرهاب سببه الظلم والقهر والتهميش.هذه حقيقة..

5. قسوة التقاليد :

أيها الإخوة الكرام، عندنا عنف وقسوة ورثناها من عادات وتقاليد لا علاقة لها بالدين إطلاقاً، من حرمان للميراث والثأر وغيرها…
موضوع الثأر مثلاً، هذا القاتل الذي قتل، ما ذنب قومه؟ لابد من قتل إنسانٍ لا علاقة له بالقتل إطلاقاً أخذاً بالثأر،
والقرآن يقول:

(وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)

[سورة الأنعام: الآية 164]

حتى جرائم الشرف، هذه لا أصل لها في الدين.
سيدة المسلمين، السيدة الأولى، السيدة عائشة رضي الله عنها، زوجت النبي، اتهمت بشرفها في حديث الإفك، ماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم؟ انتظر، ليس عنده دليل إثبات ولا دليل نفي، حتى برأها الله من فوق سبع سماوات.
كم من جريمة شرف وقعت في العالم!!

6. القسوة على الفقراء:

أيها الإخوة الكرام،
ماذا فعل النبي حينما ساق له أحد أصحابه رجلاً دخل على بستانه، وأكل من دون إذنه، ووصمه بالسرقة؟
قال عليه الصلاة والسلام:

ما علمته إذا كان جاهلاً، ولا أطعمته إذا كان ساغباً أو جائعاً

[من حديث صحيح، أخرجه الحاكم في مستدركه]

من أين عالج المشكلة؟ من أسبابها لا من نتائجها، ماذا قال عليه الصلاة والسلام؟

هل تُنصَرون وتُرزَقون إِلا بضعفائكم ؟

[من حديث صحيح، أخرجه البخاري]

الضعيف، الفقير، إن أطعمته إن كان جائعاً، إن كسوته إن كان عارياً، إن علمته إن كان جاهلاً، إن داويته إن كان مريضاً، إن علمته إن كان يحتاج إلى المعرفة، هذا الضعيف يتماسك معك، ويصبح المجتمع حصناً حصيناً لا يمكن أن يخترق.
صاحب العمل يعطي العامل خمسة آلاف، وهو يحتاج إلى أجرة طريق للمعمل ألف وخمسمئة، بقي له ثلاثة آلاف وخمسمئة ، ماذا يشتري بها؟ كم يدفع للكهرباء والماء والوقود السائل والحاجات الأساسية؟ هل يشتري بها لحماً أم كساءً، والحال أنه لا يوجد أعمال، ويوجد بطالة، فيضطر أن يقبل الأجر القليل، وصاحب المعمل ينفق في اليوم مئة ألف ولا يعبأ.

7. الظلم:

أيها الإخوة الكرام، أقول لكم:
مرةً لما أعطى اليهود عبد الله بن رواحة بعض حليّ نسائهم كرشوة قال:

تطعمونني السُّحْتَ، والله لقد جئتكم من أحبِّ الناس إليَّ، ولأنتم أبْغَضُ إليَّ من عدَّتِكُمْ من القِردَةِ والخنازير، ولا يحْمِلُني بُغضي إياكم على أن لا أعدل عليكم، فقالُوا: بهذا قامت السماوات والأرض

[حديث أخرجه البخاري وأبو داود بإسناد صحيح]

الآثار السيئة للقسوة والعنف:

 

img 
أيها الإخوة الكرام، شيوع القسوة كظاهرة اجتماعية تسبب ذبول الشخصية، وضعفها، وتحطيم المواهب والطاقات والكفاءات، وإشاعة الجبن والتردد والارتباك والخوف من المحاولة والخطأ، والجزع من كلام الآخرين، وفقدان السعادة والاستمتاع بالحياة، وتنعكس القسوة على النفس وعلى من حول من يحس بالقسوة، من أكبر أخطارها تفكك الأسر، تفكك الدول، تفكك الجماعات، تفكك المؤسسات.

بدائل القسوة والعنف :

أيها الإخوة الكرام، ما البدائل؟ ما بدائل القسوة؟ ما بدائل العنف؟ ما بدائل القهر؟ ما بدائل الاضطهاد؟ ما بدائل الازدراء؟

1. الحوار:

img

البديل هو الحوار، حاور أطفالك، كن رفيقاً لهم، علمهم، ولا تعنفهم، استمع إلى شكواهم، تحسس حاجاتهم، اجلس معهم، حاول أن تكون طبيباً نفسياً لهم، لا تجعل بينك وبينهم حواجز كبيرة، لا تجعلهم يرتعدون إذا دخلت إلى البيت، لا تجعلهم يتنفسون الصعداء إذا خرجت من البيت، علامة أنك أب ناجح: أنك إذا دخلت البيت كان البيت في عيد، علامة الأب الناجح أنه إذا دخل إلى البيت كان أهل البيت في عيد، علامة الأب الناجح أن أولاده يتمنون بقاءه، ولا يتمنون مماته.
حدثني أخ طبيب زار مريضاً، وحوله أولاده، فقال لهم الطبيب: قضية عرضية، امتعضوا، وامتقع وجههم، ما عرضية؟ يريدونها قاضية، قال: عرضية، هذا الأب البخيل يتمنى أولاده موته.
img
أيها الأخ الكريم، حاور موظفيك، ضع يدك على جراحهم، ما الذي يؤلمهم منك؟ ما الذي يزعجهم؟ كيف يتدبرون أمرهم بهذا المرتب القليل، حاول أن تساعدهم، هم أولى الناس بمساعدتك، حاور طلابك إذا كنت مدرساً، حاور كل من حولك، لكن الحوار يحتاج إلى محور هو القرآن، يجب أن نتفق على أدلة ثابتة، على منهج في البحث، حتى لو كان منحرفاً حاوره، تصوروا إنساناً يطلب من رسول الله أن يزني، يطلب ذلك أمام أصحابه، كلام غير مقبول ومستهجن:
فعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه:

أن فتى من قريش أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ائذن لي في الزنا، فأقبل القوم عليه وزجروه، فقالوا: مه مه، فقال: ادنه، فدنا منه قريباً فقال: أتحبه لأمك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال: أفتحبه لأختك؟ قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال: أتحبه لعمتك؟ قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال: أتحبه لخالتك؟ قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم، قال: فوضع يده عليه وقال: اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه. قال: فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء

[رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح]

حاوره النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، وما استعمل العنف.

2. التواضع :

img

أيها الإخوة الكرام، حينما نبني حياتنا على نظام فريق العمل نكون كلنا في قارب واحد، فإذا نجحنا نَجحنا جميعاً، وإذا أخفقنا أَخفقنا جميعاً، إذاً مصلحتي لا في أن أبني مجدي على أنقاض أخي، لا في أن أبني قوتي على إضعافه، لا في أن أبني الغنى الذي أطمح إليه على فقره، حينما نرى أنفسنا فريق عمل ننجو جميعاً، قال الله عز وجل:

(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)

[سورة الحجرات: الآية 10]

أيّ إنسان يرى نفسه فوق الآخرين إنسان عنصري:
دخل أحد الأعراب على النبي قال: أيّكم محمداً؟
ماذا تفهم من هذا الكلام؟ إنه لا يتميز عليهم أبداً،

(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)

3. العدل :

أيها الإخوة الكرام، العدل أساس الملك، العدل أساس الأسرة الناجحة، العدل أساس المعمل الذي فيه نظام دقيق يسري على كل الموظفين، العدل أساس أي مؤسسة، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث:
قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم:

.. إنَّما أَهلك الذين قبلكم، أنَّهمْ كانوا إذا سَرقَ فيهم الشَّريفُ تَرَكُوه، وإذا سَرَقَ فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ

[من حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم]

4. المرح :

شيء آخر، أحياناً الحياة تصبح جافة جداً، الترويح عن النفس مطلوب، فقد ورد في الأثر:

روحوا القلوب ساعة بعد ساعة، فإنها إن كلت عميت

أي شيء من المرح اللطيف، شيء من المزاح اللطيف، شيء من الدعابة في البيت، شيء من التبسم والضحك، نزهة ولو أنها متواضعة، ولو أنها قريبة، ولو أنها بمركبة عامة، هذه تسرِّي عن أهل البيت، الترويح النفسي المعتدل هو الذي يجعل النفوس تميل إلى الهدوء، إشاعة الكلمة الطيبة الهادفة، والكلمة الطيبة صدقة

5. التسامح :

نشر التسامح:

(وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا)

[سورة النور: الآية 22]

(فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)

[سورة المائدة: الآية 13]

(فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)

[سورة الزخرف: الآية 89]

قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:

ليس الشديدُ بالصُّرَعَةِ، إِنَّما الشديدُ الذي يملك نفسه عند الغضب

[حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم]

أيها الأخ الكريم، أنت إذا وضعت رأسك على الوسادة تتهيأ لنوم عميق، لمَ لا تدعو لصالح المؤمنين والمؤمنات، دون أن تستثني منهم أحداً؟ لمَ لا تخص بالدعاء الذين ظلموك، والذين أساؤوا إليك؟ لمَ لا تجعل النبي قدوة لك؟ ضربوه فقال:

اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمونَ

[من حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم]

أحد الذين أشاعوا حديث الإفك عن ابنة سيدنا الصديق رضي الله عنه، إنسان يحسن إليه باستمرار، فأخذه ألمُ البشر، فقرر ألا يتابع إحسانه إليه، فعاتبه الله عز وجل فقال:

(وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ)

[سورة النور: الآية 22]

فبكى الصديق، وقال: بلى، أحب أن يغفر الله لي.
وعاد إلى الإحسان إليه، مع أنه أساء إليه إساءة كبيرة جداً.
قال رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:

كان فيمَنْ كان قبلَكم تاجر يُدايِنُ الناسَ، فإِن رَأى مُعْسِراً قال لفتيانه: تَجَاوزُوا عنه، لعلَّ الله يتجاوزُ عنَّا، فتجاوَزَ الله عنه

[حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم]

اللين من الدين :

أيها الإخوة الكرام، شيء آخر، يقول الله عز وجل:

(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)

[سورة الحجرات: الآية 10]

 

img
إلى متى نتغنى بالدين، ونحن بعيدين عن منهجه؟ ونحن بعيدين عن أخلاق النبي الكريم، وعن أخلاق الصحابة الكرام؟ متى نربّي أطفالنا على احترام الآخرين، وعلى رعاية حقوقهم؟ متى نربّي أطفالنا على حفظ المصالح العامة؟ متى نربّي أطفالنا على التزام الذوق السليم، اختيار الأحسن من القول، تحقيقاً لقوله تعالى:

(وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)

[سورة الإسراء: الآية 53]

الأحسن، يعني لو أن هناك ألف قول حسن، فينبغي أن تختار الأحسن، قال تعالى:

(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ)

[سورة النحل: الآية 125]

أما إذا جادلت، فقال تعالى:

(وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)

[سورة النحل: الآية 125]

فرق بين أن تدعو بالموعظة الحسنة، وبين أن تجادل، لأنك إذا جادلت فهناك تحدٍّ، هناك نفوس، هناك إنسان ربط كرامته مع فكرته، لذلك إذا جادلت فجادلهم بالتي هي أحسن، قال تعالى:

(وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)

[سورة سبأ: الآية 24]

ليس هناك تعالٍ إطلاقاً، أنا على حق، وقد أكون مخطئاً، والطرف الآخر على باطل، وقد يكون مصيباً، قال تعالى:

(قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ)

[سورة سبأ: الآية 25]

 

img

هذه أخلاق القرآن، هذه أخلاق المحاورين.
أيها الإخوة الكرام:
قال رسولَ الله صلى الله عليه وسلم:

إِنَّ المؤمنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ القَائِمِ

[حديث صحيح، أخرجه أبو داود]

رجل أخلاقه حسنة، يدرك بأخلاقه الحسنة درجة الصائم القائم.

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: خطبة الجمعة – الخطبة 0958 : القسوة والرحمة.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2005-03-25