تقي الدين ابن معروف الشامي الراصد

ملخص المقال

    سطور من حياة تقي الدين ابن معروف الشامي الدمشقي الراصد فخر التقنية الإسلامية ومخترع منبه الساعة وصاحب مرصد إسطنبول، مع بيان إنجازاته

تقي الدين ابن معروف الشامي الراصد (نحو 932 – 993هـ=1525 – 1585م)؛ هو عالم مسلم دمشقيٌّ وأحد أهم العلماء الذين برعوا زمن الدولة العثمانية في القرن العاشر الهجري = السادس عشر الميلادي، وفخر التقنية الإسلامية، كان مصنفًا عسكريًّا عثمانيًّا، وهو واحد من العلماء الموسوعيين: فكان عالمًا، فلكيًّا ومنجمًا، مهندسًا ومخترعًا، وصانع ساعات الحائط والساعات اليدوية، رياضيًّا وفيزيائيًّا، خبيرًا زراعيًّا وجنائنيًّا، طبيبًا وصيدليًّا، حاكمًا مسلمًا وحافظًا لمواقيت الصلاة في المسجد، فيلسوفًا مسلمًا وصاحب علم الكلام، ومعلم مدرسة، وله مؤلفات كثيرة في ذلك كله.

ونظرًا إلى ما للوقت من أهمية في حياة المسلمين فقد ازدهرت علوم الفلك، وأنجز المسلمون صناعات ترتبط بمعرفة الوقت كصناعة الساعات، كما اخترعوا آلات تساعدهم على معرفة اتجاه القبلة التي يستقبلونها في صلواتهم، وهذه المعرفة أبرزت اهتمامهم بالإسطرلاب الذي أحدث نقلة حضارية نوعية في عالم البحار وعلوم البحرية.

وتواصلت مسيرة علوم التقويم والفلك والتأريخ على أيدي العلماء المسلمين، والعلماء الذين عملوا في خدمة دول الخلافة الإسلامية من غير المسلمين منذ عهود الخلفاء الراشدين حتى نهاية عهد الخلافة الإسلامية العثمانية، وبذلك زخرت مكتبة التراث الإسلامي بمخطوطات وخرائط وجداول وأزياج لم تحظَ بها أية مكتبة من مكتبات التراث العالمي، وقد توزعت المخطوطات والآلات التي اخترعها المسلمون على مكتبات التراث العالمية والمتاحف. وتواصلت سلاسل العلماء في مُعظم أنحاء العالم الإسلامي، فأضاف اللاحقون إلى السابقين منجزات متطوّرة شكّلت القاعدة الأساسية لتطوّر العلوم العالمية.

ولم تتوقف مسيرة التطور العلمي الإسلامي مع النهاية المؤلمة لدولة الخلافة العباسية سنة 656هـ= 1258م، بل استمرت مسيرة التطور العلمي، وأنجز علماء الدولة العثمانية منجزات هامّة في مجالي الفلك والرياضيات، ومن العلماء الذين برزوا في عهد الخلافة الإسلامية العثمانية محمد بن معروف الأسدي، تقي الدين الراصد الدمشقي الشامي.

اسمه ونسبه

أورد الباباني نسبه في كتابه هدية العارفين، فقال: “تقى الدين الراصد محمد بن أبى الفتح محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن يوسف بن الأمير منكوبرس الأسدي تقى الدين أبو بكر الراصد” ا.هـ. وورد ذكره عند آخرين بأنه: تقي الدين أبو بكر محمد بن قدحي معروف بن أحمد الشامي السعدي الرصيد أو الراصد أو الرصَّاد، عالم فلكي، وراصد رياضي ومهندس ميكانيكي، اشتهر أوائل الحكم العثماني. وقد ورد اسمه كاملًا ومدونًا بخط يده على مخطوط له عنوانه “الطرق السنية في الآلات الروحانية”. يرجع في نسبه إلى الأمير ناصر الدين منكويرس، ابن الأمير ناصح الدين خمارتكين.

مولده

أشارت معظم المراجع إلى أنه من مواليد مدينة دمشق، نحو سنة 932هـ = 1525م، ثم انتقلت أسرته إلى مصر، حيث استقرت فيها.

أسرته ونشأته

نشأ تقي الدين في بيت علم ودين، فقد كان والده قاضيًا في مصر. ودرس هو علوم عصره، وأصبح قاضيًا مثل أبيه. تحدث عن نفسه في أحد مؤلفاته، وهو “سدرة منتهى الأفكار في ملكوت الفلك الدوار” فقال: “ولما كنت ممن ولد ونشأ في البقاع المقدسة، وطالعت الأصلين “المجسطي”، و”كتاب إقليدس في الأصول” أكمل مطالعة، ففتحت مغلقات حصونها، بعد الممانعة والمدافعة. ورأيت ما في الأزياج المتداولة (الجداول الفلكية) من الخلل الواضح، والزلل الفاضح، تعلق البال والخلد بتجديد تحرير الرصد”.

وهذا يدل على أن تقي الدين قد اطّلع على الكتب العربية التي وردت فيها الأرصاد والحسابات الفلكية والأزياج فسعى لإصلاحها. واستخرج زيجًا وجيزًا مستعينًا بأبحاث أولغ بك، كما ذكر في كتابه “الدر النظيم في تسهيل التقويم”.

ويبدو من أقوال تقي الدين، التي وردت في كتابه “الطرق السنية في الآلات الروحانية” أنه زار إسطنبول، مع أخيه عام 953هـ=1546م. وربما كان ذلك بحكم وظيفته، أو رغبة في طلب العلم.  وفي تلك المدينة قام بمشاركة أخيه بتصميم آلة لتدوير سيخ اللحم على النار، فيدور من نفسه من غير حركة الحيوان.

أعماله

عمل تقي الدين بن معروف لفترة بمنصب قاض ومدرس في مدينة نابلس ودمشق والقاهرة، وخلال فترة إقامته في مصر أنتج بعض الأعمال الهامة في مجال علم الفلك والرياضيات. فقد عمل تقي الدين في خدمة الوالي علي باشا، الذي كان يحكم مصر من قبل السلطان سليمان القانوني (926 – 974هـ = 1520 – 1566م)، بدءًا من عام 956ه=1549م. فأهداه كتابين من مؤلفاته وهما “الطرق السنية في الآلات الروحانية”، و”الكواكب الدرية في البنكامات الدورية”.

وجاء في كتاب “كشف الظنون” أنه في عام 975هـ = 1568م ألف تقي الدين كتاب “ريحانة الروح في رسم الساعات على مستوى السطوح” في قرية من قرى نابلس. ثم شرحها العلاّمة عمر بن محمد الفارسكوري شرحًا بسيطًا بإشارة من المصنف، وسماها “نفح الفيوح بشرح ريحانة الروح”، وفرغ منها في ربيع الأول 980هـ، ولها ترجمة إلى اللغة التركية موجودة نسخة منها في المكتبة الظاهرية بدمشق.

في إسطنبول

رحل تقي الدين بعد ذلك إلى سطنبول قادمًا من القاهرة، حيث تقرّب من الخواجه سعد الدين، معلّم السلطان، وصار من خواصه الملازمين. ونظرًا لبراعة تقي الدين في العلوم الفلكية دعمه الخواجه سعد الدين ليكون (منجم باشا) أي رئيس المنجمين أو الفلكيين، وذلك بعد وفاة سلفه مصطفى بن علي المواقيتي، وكان ذلك عام 979هـ=1571م، زمن خلافة السلطان سليم الثاني (974 – 982هـ = 1966 – 1574م)، وشكل تقي الدين علاقاته الوثيقة مع عدد من رجال الدولة بينهم سعد الدين خوجا و الصدر الأعظم صوقوللو محمد الذي جعله يقابل السلطان مراد الثالث (982 – 1003هـ = 1574 – 1595م).

مرصد إسطنبول

كان تقي الدين يرغب في إنشاء مرصد في إسطنبول، على غرار مرصد مراغة، الذي أنشأه أَلُغ بك، لذلك قدّم تقريرًا للسلطان مراد الذي كان مهتمًا بعلم الفلك بأن الجداول الفلكية التي تعود إلى أَلُغ بك (ulug bey)، عن طريق الصدر الأعظم محمد باشا، ووساطة الخواجه سعد الدين، وشرح في تقريره أن الجداول الفلكية الموجودة صارت غير قادرة على إعطاء معلومات صحيحة، لذلك صارت الحاجة ملحة لعمل جداول فلكية تستند إلى أرصاد جديدة.

أشار تقي الدين بأنه من الممكن تصحيح تلك الأخطاء إذا تم تدوين ملاحظات جديدة واقترح بناء مرصد في اسطنبول لهذا الغرض. وقد سُرَّ جدًا السلطان مراد بهذا الخبر كونه سيكون الراعي لأول مرصد في اسطنبول، وطلب بدء البناء على الفور.

استجاب السلطان لطلب تقي الدين، وبدأ بإنشاء المرصد أوائل عام 983هـ=1575م، وقدم كافة الاحتياجات المادية لإتمام البناء، وفي هذه الأثناء كان تقي الدين يقوم بأعمال الرصد من برج گالاتا إلى أن تم جزئيًا بناء المرصد في عام 985هـ = ١٥٧٧م، أي بعد عامين، وتابع تقي الدين أعماله في المرصد الذي أطلق عليه “دار الرصد الجديد”.

تصميم المرصد

كان مرصد إسطنبول يتألف من جزئين منفصلين أحدهما بناء كبير والآخر بناء صغير شيد في الجزء العلوي من حي توبهانى (tophane) في مدينة إسطنبول، وكان يضم مكتبة تحوي بشكل أساسي على كتب الفلك والرياضيات. وكان تقي الدين قد استخدم نفس الأدوات المستخدمة في المراصد الفلكية الإسلامية القديمة بعد أن استنسخها بعناية كبيرة.

بالإضافة إلى ذلك فقد استخدم بعض الأدوات التي كانت من ابتكاره واستخدمت للرصد الفلكي لأول مرة. وكان طاقم المرصد مكون من ستة عشر موظفًا ثمان رصدة وأربعة كتبة وأربعة مساعدين. وقد تم تصميم المرصد بحيث يلبي احتياجات علماء الفلك فكان يحوي على مكتبة تضم كتب علماء الفلك وكان يحوي أيضًا على ورشة صغيرة لتصميم وتصنيع الأدوات التي يحتاجها الراصدون. وقد أنشأت هذه المؤسسة على اعتبارها أحد أهم المراصد في العالم الإسلامي واكتملت في عام 987هـ = 1579م.

وكان المرصد مماثلًا لمرصد (uraneborg) الخاص بالعالم الدنماركي تايكو برايي (tycho brahe) الذي عاش بين (1546 – 1601م). وقام تايكو برايي ببناء مرصده عام ١٥٧٦م، والذي امتلك تشابه إلى حد كبير تلك الأدوات التي استخدمها تقي الدين!

قام تقي الدين بجمع ما سجله من ملاحظات في جداول ومخطوطات أطلق عليها “سِدرَةُ مُنتَهَى الأَفكَار فِي مَلَكُوت الفَلَك الدَّوَّار”.

وأما الأدوات الفلكية التي استخدمها في المرصد بغية تسجيل الملاحظات؛ فهي:
الاسطرلاب الكروي والرباعية الجدارية والسمت الرباعي، والمسطرة الموازية، والمسطرة الرباعية أو الرباعي الخشبي، وابتكر أداةً مزودة بحبال تستخدم لتحديد مواعيد الاعتدالين لتحل محل الاسطرلاب الاعتدالي، كما استخدم ساعة ميكانيكية مع قطار من التروس. وقد قام تقي الدين باختراع أدوات رصد جديدة قام بإضافتها إلى المجموعة المستخدمة في المراصد الفلكية في العالم الإسلامي

هدم مرصد إسطنبول

وبدأ تقي الدين نشاطاته الفلكية في إسطنبول مع ١٥ من المساعدين، واستمر المرصد في عمله حتى 988هـ = ٢٢ من يناير عام ١٥٨٠م حيث تم هدمه، وسبب ذلك، أنه وحدث عقب إنشاء المرضد ظهور مذنب في سماء إسطنبول، ولما شاهده تقي الدين في مرصده تقدم بالتهنئة للسلطان، متنبأ له بالنصر على الدولة الصفوية، الذين كانوا في حرب مع الدولة العثمانية. وقد تحقق ذلك النصر، لكنه لم يكن مجردًا من الخسائر الفادحة. كما أن وباء الطاعون انتشر انتشارًا واسعًا في ذلك الوقت. فانتهز الفرصة قاضي زاده شيخ الإسلام هو وجماعته المنافسون للصدر الأعظم وللخواجه سعد الدين، وشنوا حملة معادية لإنشاء المرصد، ونجحوا بإقناع السلطان بهدمه، فتم لهم ذلك في عام 988هـ = 1580م.

تقي الدين الراصد فخر التقنية الإسلامية

يعتبر تقي الدين بن معروف الراصد الدمشقي، فخر التقنية الإسلامية، ففي كتابه “الطرق السنية في الآلات الروحانية”، وصف العديد من الأجهزة الميكانيكية مثل: الساعات المائية والآلية والرملية، والروافع بالبكرات والتروس (المسننات)، والنافورات المائية، وآلات الدوران باستعمال العنفات (المراوح) البخارية التى نعرفها اليوم.

ويحظى كتاب تقي الدين الدمشقي بأهمية خاصة؛ لأنه يكمل أهم مرحلة في تقنية الهندسة الميكانيكية في العصر الإسلامي، ويقدم وصفا لآلات كثيرة لم يرد ذكر لها في كتب السابقين، وقبل أن يرد وصف ما يماثلها في المراجع الغربية المعروفة في فترة عصر النهضة.

ويتميز كتاب تقي الدين بأنه اقترب كثيرًا في عرضه وتوصيفه للآلات من مفهوم الرسم الهندسي الحديث ذي المساقط، لكنه يوضح كل شيء يتعلق بالآلة في رسم واحد يجمع بين مفهوم المساقط ومفهوم الرسم المنظور (المجسم)، ومن هنا فإنه يحتاج إلى دراسة عميقة من أهل الاختصاص لقراءة النصوص وفهم الرسوم حتى يكون التخيل صحيحًا.

ومن أهم الآلات المائية التى وصفها تقي الدين في كتابه “المضخة ذات الأسطوانات الست”، وفيها استخدم لأول مرة “كتلة الأسطوانات” لست أسطوانات على خط واحد، كما استخدم “عمود الكامات” بستة نتوءات موزعة بانتظام على محيط الدائرة، بحيث تعمل الأسطوانات على التوالي، ويستمر تدفق الماء بصورة منتظمة، وأوصى تقي الدين بألا يقل عدد الأسطوانات عن ثلاث ليتناسب صعود الماء من غير دفق، وهذا المفهوم المتقدم للتتابع وتجنب الدفق أو التقطع، بالإضافة إلى مفهوم التوازن الديناميكي الحديث، هو الأساس الذى قامت عليه تقنية المحركات والضواغط الحديثة متعددة الأسطوانات.

وفي تصميم تقي الدين لمضخته المكبسية ذات الأسطوانات الست نجده يضع ثقلا من الرصاص على رأس قضيب كل مكبس يزيد وزنه عن وزن عمود الماء الموجود داخل الأنبوب الصاعد إلى أعلى، وهو بهذا يسبق (مورلاند5) الذي قام في عام 1675م بتصميم مضخة وضع فيها أقراصًا من الرصاص فوق المكبس حتى يعود المكبس إلى الهبوط ويدفع الماء بتأثير الرصاص إلى العلو المطلوب.

وهكذا يبطل زعم مؤرخي التقنية الغربيين أن التقنية الإسلامية في مجالات الهندسة الميكانيكية كان لها فقط طابع التسلية واللعب وتزجية أوقات الفراغ، وكانوا يشيرون بذلك إلى الآلات العجيبة التى وصفها التقنيون المسلمون، ويشهد على بطلان زعم هؤلاء المؤرخين غير المنصفين تلك الدواليب المائية التى كانت تُستخدم لتدوير المطاحن ومعاصر القصب وعصر الحبوب والبذور، وفي رفع المياه لأغراض الري، وقد استخدمت طاقة الماء والهواء على نطاق واسع، وكانت العلاقة وثيقة بين العلوم النظرية وتطبيقاتها التقنية في مجالات الحياة العملية التى شملت تصميم المدن ومنشآت الري والسدود والأبنية والآلات وغيرها.

وكان المهندسون والتقنيون في عصر الحضارة الإسلامية يتبعون المنهج العلمى في كل أعمالهم، ويبدأون – في الحالات الصعبة – برسم مخططات، ثم يصنعون نموذجا مصغرا لما ينوون تنفيذه، وقد أعاد الفنيون المحدثون بناء العديد من التركيبات والآلات تبعا للشروح التى قدمها التقنيون الإسلاميون في مؤلفاتهم.

تقي الدين الراصد مخترع منبه الساعة

كان تقي الدين الدمشقي يتقن معرفة الأوقات ليلًا ونهارًا، معتمدًا على عدة أشكال من الآلات، وخاصة البنكامات الدورية (الساعات). وقد دوَّن فن الساعات الميكانيكية ومبادئها، وذكر عددًا من الآلات التي اخترعها.

ابتكر تقي الدين الراصد ساعة المشاهدة في كتابه: “الكواكب الدرية في وضع البنكامات الدورية” وقد نشر سنة 963هـ = 1556م أو 966هـ = 1559م، وهي أول ساعة تقيس الوقت بالدقائق، بواسطة تضمينها ثلاث عجلات دوراة للساعات، والدرجات والدقائق. ثم قام بتحسينها بحيث يقيس الوقت بالثواني في كتابه: “في شجرة نابك لتطرف الأفكار”. ووصف ساعة المشاهدة بأنها: “ساعة ميكانيكية بثلاث عجلات”. وتعتبر هذه من أهم ابتكارات القرنالعاشر الهجري = السادس عشر الميلادي في مجال علم الفلك، حيث لم تكن الساعات السابقة دقيقة بما فيه الكفاية لاستخدامها في الأغراض الفلكية.

وفي كتابه “ريحانة الروح في رسم الساعات على مستوى السطوح” أوضح الشامي أن صناعة الساعات فرض كفاية. ويجب على البعض القيام به لمصلحة المسلمين، استغرقه الكتاب خمس سنوات بتمامها وكمالها حتى انتهى من تأليفه وآخراجه.

ومن إبداعاته أنه اخترع أول ساعة ميكانيكية منبهة، وقد وصف الساعة المنبهة في كتابه: “الكواكب الدرية في وضع البنكامات الدورية”، كانت ساعته المنبهة قادرة على إصدار الصوت في الوقت المخصص، والذي كان يتحقق بواسطة وضع إسفين على عجلة القرص المدرج على الوقت الذي يرغب فيه المرء بسماع الساعة وكذلك بواسطة إنتاج جهاز قرع الجرس الآلي والذي يبدأ بالرنين على الوقت المخصص.

مؤلفاته

كان لتقي الدين الراصد الدمشقي مؤلِّفًا لأكثر من 90 كتابًا في شتى المواضيع المختلفة، والتي تشمل: علم الفلك، والتنجيم، وصناعة الساعات، والهندسة، والرياضيات، والميكانيكا، والبصريات، والفلسفة الطبيعية؛ وعلى الرغم من ذلك، فإن 24 كتابًا فقط قد نجت من بين هذه الكتب.

وكان تقي الدين، كما يقول عن نفسه، في كتابه “الكواكب الدرية في البنكامات الدورية”، مغرمًا منذ حداثته بمطالعة كتب الرياضيات، إلى أن أتقن الآلات الظلية والشعاعية علمًا وعملًا، واطلع على نسب أشكالها وخطوطها. كما اطّلع على كتب الحيل الدقيقة والميكانيك، ورسائل علم الفرسطون والميزان وجر الأثقال.

كان تقي الدين وافر الإنتاج العلمي، قام بتصنيف عدد من الرسائل والكتب، ولما يزل أكثرها مخطوطات محفوظة في عدة مكتبات عالمية، ولكي يبرهن على مدى تقدمه في العلوم الرياضية، ورغبته في نشر المعرفة، وضع عدة مؤلفات، ذكر بعضها الباباني في هدية العارفين، فقال: “من تصانيفه: بغية الطلاب من علم الحساب، بهجة الفكر في حل الشمس والقمر في الزيج، خريدة الدرر وفريدة الفكر في الزيج، خلاصة الأعمال في مواقيت الأيام والليال، الدر النظيم في حل التقويم، دستور الترجيح لقواعد التصحيح، ريحانة الروح في رسم الساعات على مستوى السطوح، سدرة منتهى الأفكار في ملكوت (الفلك) الدوار، الطرق السنية في الآلات الروحانية، الكواكب الدرية في البنكامات الدورية” ا. هـ.

وله كتاب في الجبر عنوانه “كتاب النسب المتشاكلة”. وكتاب “المضخة ذات الأسطوانات الست” في صناعة الآلات المائية. وله كتاب “شجرة نابك لتطرف الأفكار” في صناعة الساعات.  وفي كتابه “سدرة منتهى الأفكار في ملكوت الفلك الدوّار”. وسجل في كتابه الأخير المشاهدات الفلكية التي حققها في مرصد إسطنبول. ووصف الآلات التي استعملها فيه، وماكان منها من مخترعاته، محتذيًا في ذلك حذو العلامة نصير الدين الطوسي الذي كان يعدّه المعلم الكبير.

وفي كشف الظنون لحاجي خليفة أن له تحرير على كتاب “أكر ثاوَزُوسِيوُس اليوناني، المهندس”، وعلم الأكر كما قال حاجي خليفة: “هو علم يبحث فيه عن الأحوال العارضة للكُرَة من حيث أنها كُرة من غير نظر إلى كونها بسيطة أو مركبة، عنصرية أو فلكية، فموضوعه الكُرة بما هو كرة ..”. وعن كتاب “بغية الطلاب من علم الحساب” ذكر حاجي حليفة أنه: “مختصر. أوله: (الحمد لله أسرع الحاسبين .. الخ). بالغ في: التقريب والتوضيح، والتهذيب والتنقيح. ورتب على: ثلاث مقالات. الأولى: في الحساب الهندي. والثانية: في النجومي. والثالثة: في استخراج المجهولات، والمتفرقات”.

وفي كتاب “الدر النظيم في حل (تسهيل) التقويم” قال حاجي خليفه بأن “أوله: (الحمد لله، واهب المنن .. الخ). ذكر فيه أنه استخرج زيجا وجيزًا من زيج ألوغ بك، وجعله مدخلًا في استخراج التقويم”.

وذكر حاجي خليفة كذلك أن لتقي الدين الراصد شرحًا لكتاب “التجنيس في الحساب” للشيخ، الإمام، سراج الدين، أبي طاهر: محمد بن محمد بن عبد الرشيد السجاوندي. جعله: متنا لطيفا، وقدم التجنيس توطئة: للجبر، والمقابلة. ذكر بأنه: “شرح لطيف ممزوج، بهذا المتن أيضًا”.

وانفرد الزركلي بذكر كتاب”المصابيح المزهرة” وبيَّن أنه مخطوط.

الطرق السنية في الآلات الروحانية

وفي عام 1976م قام أحمد يوسف الحسن بتحقيق ودراسة مخطوط “الطرق السنية في الآلات الروحانية”، ونشره مصورًا في كتاب عنوانه “تقي الدين والهندسة الميكانيكية العربية”، وبين بالرسم والشرح شكل وعمل الآلات التي وردت في هذا الكتاب، وقال: “إن أهمية كتاب الطرق السنية في أنه يكمل حلقة مفقودة في تاريخ الثقافة العربية، وتاريخ الهندسة الميكانيكية”. أما موضوعات الكتاب فتشمل مقدمة وستة أبواب. تكلم تقي الدين في مقدمة هذا الكتاب على الآلة المعروفة بحق أو علبة القمر، وهي مشابهة في تركيبها للساعات الميكانيكية.

وفي الباب الأول: تكلم على أربعة أصناف من البنكامات، وهي ساعات رملية أو مائية، مما عرفه العرب في مطلع حضارتهم. وفي الباب الثاني: ذكر ثلاث آلات لجر الأثقال. وفي الباب الثالث: وصف أربع آلات لرفع الأثقال ومثلها لرفع الماء. وفي الباب الرابع: تكلم على عمل آلات الزمر الدائم والنقارات (ثلاثة أنواع) والفوارات المختلفة الأشكال (أربعة أنواع). وفي الباب الخامس ذكر أنواعًا شتى من آلات طريفة (أحد عشر نوعًا). وفي الباب السادس: وصف لسيخ اللحم الذي يدور بصورة آلية على البخار.

وفاة تقي الدين

كان السلطان مراد الثالث قد كافأ تقي الدين، عقب إنشائه المرصد، فمنحه راتب القضاة، كما منحه قطائع درت عليه دخلًا كبيرًا. إلا أن هدم المرصد كان له تأثير سيء في نفس تقي الدين، وقد توفي بعد ذلك بخمس سنوات، ودفن في مدينة إسطنبول، وذلك في سنة 993هـ = 1585م.

________________

المصادر والمراجع:

– بنو موسى بن شاكر، الحيل، تحقيق أحمد يوسف الحسن (معهد التراث العلمي العربي، حلب).

– تقي الدين، الطرق السنية في الآلات الروحانية، تحقيق أحمد يوسف الحسن (معهد التراث العلمي العربي، حلب).

– حاجي خليفة: كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، الناشر: مكتبة المثنى – بغداد (وصورتها عدة دور لبنانية، بنفس ترقيم صفحاتها، مثل: دار إحياء التراث العربي، ودار العلوم الحديثة، ودار الكتب العلمية)، 1941م.

– إسماعيل باشا الباباني البغدادي: هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين، الناشر: طبع بعناية وكالة المعارف الجليلة في مطبعتها البهية – إستانبول، 1951م، وأعادت طبعه بالأوفست: دار إحياء التراث العربي – بيروت.

– الزركلي: الأعلام، الناشر: دار العلم للملايين، الطبعة: الخامسة عشر – أيار = مايو، 2002م.

– د. راغب السرجاني: الهندسة في الحضارة الإسلامية، موقع قصة الإسلام.

-تقي الدين الشامي: الموسوعة العربية العالمية، المجلد السادس، ص758.

–  الفلكي تقي الدين بن معروف الشامي: موقع “الباحثون المسلمون”.

– الراصد تقي الدين، موقع رجال المجد الضائع.