تواضع الرسول صلى الله عليه وسلم

بسم الله الرحمن الرحيم

من شمائل الرسول صلى الله عليه وسلَّم عظيم تواضعه

التواضع لعموم المؤمنين:

أمَرَ اللُه النبيَّ صلى الله عليه وسلَّم أن يتواضع للمؤمنين ،
قال الله تعالى :

(وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ)

[سورة الحجر]

وقال تعالى:

(وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)

[سورة الشعراء]

ماذا يستنبط من الآيتين ؟
للمؤمنين عامةً يجب أن تتواضع لهم .
فقد كان عليه الصلاة والسلام المثل الأكمل في التواضع مع علو مقامه .

الكِبَر يُفسد العمل كله:

وهناك شيء يلفت النظر
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

.. لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ

[من صحيح مسلم : عن عبد الله بن مسعود]

لماذا الكبر. فمهما كان قليلاً يفسد العمل ؟ و عندنا مثل يوضِّح هذه الحقيقة ، فلو عندك مئة كيلو حليب كامل الدسم ، نقطة نفط واحدة تفسده ، كذلك العبودية لله عزَّ وجل ماذا يفسدها ؟ الكبر ، الكبر يتناقض مع العبوديَّة ،
وصدقوني ما من صفةٍ أيضاً على وجه الإطلاق ، تُنَفّر الناس من صاحبها ، كالكبر ، لأن الكبرياء من أسماء الله عز وجل ،
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث القدسي :

الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ

[سنن أبي داود]

والكبرياء ، هذه الصفة تتناقض مع العبودية لله عز وجل .

كيف كان متواضعاً صلى الله عليه وسلم ؟

فلذلك من علامات المؤمنين التواضع ، فكان عليه الصلاة والسلام المثل الأعلى في التواضع .

أولاً: يخدم نفسه بنفسه صلى الله عليه وسلم:

كان من تواضعه صلى الله عليه وسلَّم أن يخدم نفسه بنفسه ..

مَن حمل بضاعته فقد برئ مِن الكبر

[البيهقي قي شعب الإيمان عن أبي أمامة]

شخص يحمل طعام أولاده ، فاشترى خضاراً وفواكه ، وحملها بنفسه ، يزداد عند الله رفعة ..
قالت عائشة رضي الله عنها:

كَانَ بَشَرًا مِنَ الْبَشَرِ يَفْلِي ثَوْبَهُ وَيَحْلُبُ شَاتَهُ وَيَخْدُمُ نَفْسَهُ

[من مسند أحمد : عن السيدة عائشة]

ثانياً: عمله عمل أهل بيته صلى الله عليه وسلم :

قالت عائشة رضي الله:

كَانَ يَخِيطُ ثَوْبَهُ وَيَخْصِفُ نَعْلَهُ وَيَعْمَلُ مَا يَعْمَلُ الرِّجَالُ فِي بُيُوتِهِمْ

[مسند أحمد]

أي إذا غسل الإنسان في بيته صحناً ، رتّب غرفة ، نقل حاجة من مكان إلى مكان ، هذا لا ينتقص من قدره أبداً ، هكذا كان عليه الصلاة والسلام .
قالت عائشة رضي الله عنها:

كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ

[من صحيح البخاري : عن السيدة عائشة]

أي إذا كانت الزوجة مريضة ، وأنت هيَّأت طعام الفطور لأولادك ، فهذا الشيء يرفع من قدرك عند الله عزَّ وجل ، إذاً كان عليه الصلاة والسلام متواضعاً ، ومن تواضعه أنه كان يخدم نفسه ،

ثالثاً: لا يخص نفسه صلى الله عليه وسلم بركوب الخيل:

ومن تواضعه أنه كان يركب الحمار أحياناً ، ولا يخصُّ نفسه بركوب الخيل .
أحياناً ترى إنساناً يقول: أنا لا أقود سيارة إلا من نوع معين إن لم تكن من مستواي لا أركبها ، وما المانع ؟ فمن الكبر أن تختار مركبة معيَّنة بهذه النية ، فكان عليه الصلاة والسلام ـ في زمانه كانت تعد الخيل مركبة فخمة ، والأقل فخامة منها الحمار ـ فكان عليه الصلاة والسلام يركب الحمار ، ولا يخصُّ نفسه بركوب الخيل كما هي عادة الملوك والأمراء .

رابعاً: زيارته للمرضى والفقراء:

عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَطبَ فَقَالَ:

إِنَّا وَاللَّهِ قَدْ صَحِبْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ وَكَانَ يَعُودُ مَرْضَانَا وَيَتْبَعُ جَنَائِزَنَا وَيَغْزُو مَعَنَا وَيُوَاسِينَا بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَإِنَّ نَاسًا يُعْلِمُونِي بِهِ عَسَى أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدُهُمْ رَآهُ قَطُّ

والله يا إخوان مهما قلت لكم عن أثر عيادة المريض فربما لا أكون مبالغاً ، فإذا كان لك أخ أقل منك شأناً ، ومريض ، وذهبت بنفسك وعدَّته ، ومعك هديَّة لطيفة ، فهذه الزيارة وهذه العيادة تترك في نفسه أعظم الأثر ، فهناك زيارات من عمل الدنيا وزيارات من عمل الآخرة ؛ أن تزور ضعيفاً ، مسكيناً ، فقيراً ، متواضعاً ، إنساناً مغموراً أن تزوره ، و أن تعوده ، أن تلبِّي دعوته ، أن تجلس معه ، أن تلاطفه ، أن تؤانسه ، أن تتواضع له ، أن تأخذ بيده هذا من عمل الآخرة .
أما أن تزور الأقوياء ، والأغنياء ، والكبراء ، وأن تستأنس بهم ، أنت مع الفقير آنسته ، أما هنا أنت تستأنس بهم ، وقد يزوَّرُّون عنك ، وقد يقيِّمونك تقيماً لا يرضيك ، وقد يترفَّعون عنك ،
القاعدة الأساسيَّة :

لا تجالس من لا يرى لك من الفضل مثل ما ترى له

أي إذا أعطاك إنسان جنبه فأنت أعطه ظهرك ، فأنت مؤمن كريم عزيز النفس ، أما الذي يعطيك وجهه فأعطه روحك

..المتكبِّر على المتكبِّر صدقة

الإيمان فيه عزَّة ، الدين عظيم ، والإنسان لا يخضع لغير مؤمن ! المؤمن إذا خضعت له فهذا من كرامتك عند الله ،
لأن الله عزَّ وجل قال :

(أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ)

[سورة المائدة : من آية 54]

وبالمناسبة : الإنسان لا يشكو همَّه لكافر ..

من شكا مصيبته لمؤمن فكأنما اشتكى إلى الله، لكن من شكا مصيبته إلى كافر فكأنما اشتكى على الله

ماذا سيقول لك الكافر ؟ والأكمل من هذا وذاك أن تشكو همك وحزنك إلى الله ..
قال الله تعالى :

(قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)

[سورة يوسف]

هذا الأكمل .
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ :

كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُ الْمَرِيضَ وَيَشْهَدُ الْجَنَازَةَ وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الْعَبْدِ وَكَانَ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ عَلَى حِمَارٍ مَخْطُومٍ بِحَبْلٍ مِنْ لِيفٍ عَلَيْهِ إِكَافٌ مِنْ لِيفٍ

هذا من تواضعه صلى الله عليه وسلَّم .

خامساً: كان يُركب خلفه الصحابه أو صبيانهم:

عن أنس رضي الله قال :

أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلَّم من خيْبر ، وإني لرديف أبي طلحة ، وكان عليه الصلاة والسلام يُردف خلفه بعض أصحابه وصبيان أصحابه ، ولا يستنكف من ذلك كما تأنف الكُبراء والأمراء

على الدابَّة ، دابَّة صغيرة يركب هو ويركب خلفه صحابيٌ آخر ، من تواضعه صلى الله عليه وسلَّم ـ
عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال :
كنت وراء النبي صلى الله عليه وسلَّم ـ على الدابة ـ ليس بيني وبينه إلا مؤخِّرة الرحل . فقال : يا معاذ بن جبل ، قلت : لبيك يا رسول الله وسعديك …
اللهمَّ صلِّ عليه له أسلوب تربوي ..
… ثم سار ساعةً ثم قال : يا معاذ بن جبل . قلت : لبيك يا رسول الله وسعديك ـ فلم يقل شيئاً ـ
ثم سار ساعةً ثم قال : يا معاذ بن جبل . قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك . قال : هل تدري ما حقًّ الله على العباد ؟ قال معاذ : الله ورسوله أعلم …
فالكلام كلمتين حق الله على العباد وحق العباد على الله ، وهذا القول يعنينا جميعاً ، فأقرب قول لحياتنا هذا القول …
يا معاذ هل تدري ما حق الله على العباد ؟ قال معاذ : الله ورسوله أعلم قال : فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به …
إنّ حق الله عزَّ وجل عليك أن تطيعه ، هذا كتابه وهذه سنة نبيِّه ، افعل ولا تفعل ، كل موضوع بحياتك حُكمه إما أنه فرض ، أو واجب ، أو مندوب ، أو مستحب ، أو مباح ، أو مكروه تنزيهاً ، أو مكروه تحريماً ، أو حرام ، كل شيء في الحياة الدنيا لابدَّ له من حكمٍ شرعيٍ متعلِّقٍ به ، فأنت كمؤمنٍ ، إذا كنت مؤمناً صادقاً فأي عمل ، و أي موقف اسأل عن حكمه الشرعي ، هل يجوز أن أفعل كذا وكذا ؟ .
مثلاً: البارحة كنا على مائدة ، و معنا أُناس ليسوا متفقِّهين ، انتهى من الطعام مبكراً ، فقام يريد أن يغسل يديه ، السنة ليست هكذا ، إذا انتهيت من الطعام يجب أن تبقى في مكانك حتى ينتهي آخر واحد ، عندما انسحبت أنت ، وفلان انسحب ، وفلان انسحب وهناك واحد مازال جائعاً ، استحيا فانسحب وهو جائع ، لا تقم من مكانك وأنت على الطعام حتى ينتهي آخر من على المائدة ، فأنت لك أن تأكل حاجتك ، و لك أن تتوقف عن الطعام ، لا أن تنسحب من المائدة ، لا تنسحب إلا إذا انتهى جميع من على المائدة من الطعام ،
فما من موقف إلا وله حكم شرعي ؛ فرض ، واجب ، مندوب ، مستحب ، مباح ، مكروه تنزيهاً ، مكروه تحريماً ، حرام ،

قال له : يا معاذ بن جبل ، قال : لبيك رسول الله وسعديك ، قال : هل تدري ما حق الله على العباد ؟ قال معاذ : الله ورسوله أعلم ، قال : فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به ، وسكت النبي عليه الصلاة والسلام ثم سار ساعةً قال : يا معاذ بن جبل ـ فالمؤانسة ، يقول له كلمة ويريحه ـ قال : يا معاذ بن جبل . قلت : لبيك رسول الله وسعديك . قال: هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك ؟ قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : ألاَّ يعذِّبهم

لك عند الله حق ألاَّ يعذِّبك لا في الدنيا ولا في الآخرة ، إذا أطعته، بربكم ألا تكفينا هذه العبارة ؟ له عليك حق أن تطيعه ، ولك عليه حق ألا يعذِّبك لا في الدنيا ولا في الآخرة .
هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام ، هذا وحي غير متلو ، لا ينطق عن الهوى ، أتريد ألاّ تعذَّب في الدنيا ولا في الآخرة ؟ عليك بطاعة الله .
نعود لموضوعنا فنقول أنه لا يكتفي بأن يُركبهم خلفه بل يؤانسهم ويغتنم الفرصة بتعليمهم صلى الله عليه وسلم.

سادساً: من تواضعه صلى الله عليه وسلَّم مشيته مع الأرملة ، والمسكين ، والأمة :

عَنْ أَنَسٍ قال:

أَنَّ امْرَأَةً كَانَ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً فَقَالَ يَا أُمَّ فُلَانٍ انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ فَخَلَا مَعَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا

مع أنه في عقلها شيء ، أحياناً يكون واحد محدود ، مختل ، يأتي يسلِّم عليك ، يصافحك ، يعانقك ، طوِّل بالك عليه ، كيف لو كنت مكانه ؟
فإذا الله أعطى إنساناً فهذا من فضل الله عزَّ وجل ، و المؤمن يرى دائماً فضل الله عليه ، كان من الممكن أن تكون مكان هذا المختل .
فالنبي على عظم شأنه أوقفته امرأةٌ في عقلها شيء فَقَالَتْ :يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً

َقَالَ يَا أُمَّ فُلَانٍ انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ فَخَلَا مَعَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ :

إِنْ كَانَتْ الْأَمَةُ ـ الطفلة الصغيرة ـ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ

قد يطول بك العمر فتصير جَداً ، ولك ابن بنت أو ابن ابن ، يمسك يدك ويمشي بك في أرجاء البيت ، فامْشِ معه ـ سايره ـ يريد منك سُكّرة، هو يعرف مكان السكر ، يسحبك للمكان ، أعطني من هذه ، فأنت كلَّما كنت متواضعاً كلَّما كنت عظيماً عند الله عزَّ وجل .
الصغار كلَّما تواضعت لهم أحبوك و استمعوا لك

.. من كان له صبي فليتصابَ له

[من الجامع الصغير : عن معاوية]

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى يَقُولُ :

كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ الذِّكْرَ وَيُقِلُّ اللَّغْوَ وَيُطِيلُ الصَّلَاةَ وَيُقَصِّرُ الْخُطْبَةَ وَلَا يَأْنَفُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَ الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ فَيَقْضِيَ لَهُ الْحَاجَةَ

مرَّة عدي بن حاتم أتى المدينة ليلقى النبي عليه الصلاة والسلام ، وكان يتوقَّع أن النبي ملك وليس نبياً ، فلما رحَّب به النبي ، أخذه إلى بيته، يقول عدي بن حاتم : في الطريق استوقفته امرأةٌ فوقف معها طويلاً تكلِّمه في حاجتها ، قلت في نفسي : والله ما هذا بأمر ملك ، إنه نبي

سابعاً: كان يشرب مما يشرب منه عموم الناس :

عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما في حجة النبي :
أن النبي صلى الله عليه وسلَّم أتى السقاية ـ أي أتى أناس يعملون في السقاية ، سقاية الحجاج ـ فقال :

أنا عطش اسقوني

فقالوا : إن هذا يخوضه الناس ، ولكن نأتيك به في البيت ، قال :

لا حاجة لي فيه اسقوني مما يشرب منه المسلمون

قد تكون في الطواف ، في الحج ، في العمرة ، تجد مستودعات الماء، والصنابير ، والحجاج يشربون ، اشرب معهم ، أنت من الناس ، هذا من تواضعه صلى الله عليه وسلَّم .
قال :
من تواضعه لم يقبل أن يؤتى بشرابٍ خاص ، وأبى إلا أن يشرب مما يشرب منه الناس ، ولو خاضت فيه أيديهم

ثامناً: كان يأكل مع الفقراء :

عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ قَالَ :

كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَصْعَةٌ – أي إناءٌ كبير يوضع فيه الثريد ليأكل الجماعة معه – يُقَالُ لَهَا الْغَرَّاءُ يَحْمِلُهَا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ فَلَمَّا أَضْحَوْا – أي دخلوا في وقت الضحى بعد طلوع الشمس – وَسَجَدُوا الضُّحَى – أي صلوا الضحى – أُتِيَ بِتِلْكَ الْقَصْعَةِ يَعْنِي وَقَدْ ثُرِدَ فِيهَا فَالْتَفُّوا عَلَيْهَا فَلَمَّا كَثَرُوا جَثَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أي جلس على ركبتيه – فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ : مَا هَذِهِ الْجِلْسَةُ ؟ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ جَعَلَنِي عَبْدًا كَرِيمًا وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا عَنِيدًا ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُوا مِنْ حَوَالَيْهَا وَدَعُوا ذِرْوَتَهَا يُبَارَكْ فِيهَا

تاسعاً: كان يطلب الدعاء من أصحابه :

سيدنا عمر استأذن النبي في العمرة
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لا تَنْسَنَا يَا أُخَيَّ مِنْ دُعَائِكَ

[من سنن أبي داود : عن عمر]

النبي عليه الصلاة والسلام يطلب من سيدنا عمر أن يدعو له ، هذا من تواضعه.

عاشراً: اختياره أن يكون نبياً عبداً لا نبياً ملكاً:

فمن أعظم ما يدل على تواضعه صلى الله عليه وسلم ، أنه لما خيره الله جلَّ جلاله أن يكون نبياً ملكاً ، أو نبياً عبداً ، اختار أن يكون نبياً عبداً ، أما التحليل ، تحليل هذا الاختيار ، أو التعليق على هذا الاختيار ، فدقيقٌ جداً .
أما تفصيل هذا التخيير …
فقد جلس جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فنظر إلى السماء فإذا ملكٌ ينزل ، فقال له جبريل : هذا الملك ما نزل منذ خُلِقَ قبل الساعة ، فلما نزل قال : يا محمد أرسلني إليك ربك أملكاً أجعلك أم عبداً رسولاً ، فقال عليه الصلاة والسلام :

لا بل عبداً رسولاً

شيءٌ آخر … قال كتاب السيرة : مقام الملك يقتضي اتخاذ الجنود ، ويقتضي اتخاذ الحُجَّاب والخيول ، ويقتضي اتخاذ الخدم ، والحشم ، والقصور ، ويقتضي الانتقام ممن يتعرض له بسوء ؛ أما مقام العبودية ، فإنه يقتضي أن يخدم الإنسان نفسه ، وأن يكون في معونة أهله كما كان عليه الصلاة والسلام متواضعاً ، ويقتضي العفو عما آذاه في نفسه ، أما إذا انتهكت حُرُمات الله عز وجل فالله سبحانه وتعالى يأمرنا أن نغضب له .
لهذا كان عليه الصلاة والسلام يقول :

آكل كما يأكل العبد

أي في القعود ، وفي هيئة التناول ، والرضا بما حضر ، فالعبد يجلس جلسة مؤدَّبة ، ويتناول الطعام بطريقةٍ مؤدبة ، ولا يعترض على الطعام ، هذا شأن العبد.
وكان يقول عليه الصلاة والسلام يقول :

أجلس كما يجلس العبد ، لا كما تجلس الملوك

والحقيقة هذا يقودنا إلى أن المؤمن في جلسته متواضع ، إذا جلس ليقود مركبةً ، الجلسة متواضعة ، إذا مشى، المشية متواضعة ، إذا تناول الطعام ، التناول متواضع ، التواضع يبدو عليه في كل تصرُّفاته

1. حديث القرآن عن النبي صلى الله عليه وسلم العبد لله :

والآن إلى آيات القرآن الكريم .. خالقنا جلَّ جلاله ، لما أراد الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بماذا وصفه ؟..

(وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً)

[سورة الجن]

(إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ)

[سورة الأنفال : من آية 41]

(وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا)

[سورة البقرة : من آية 23]

(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى)

[سورة الإسراء : من آية 31]

(تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرا)

[سورة الفرقان :الآية 1]

(فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى)

[سورة النجم: الآية 10]

(هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ)

[سورة الحديد: الآية 9]

(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً)

[سورة الكهف : من آية 1]

(أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ)

[سورة الزمر: الآية 36]

وُصف الله النبي بأنه عبد ، إذاً كلمة عبد ، هي أرقى صفة يوصف بها الإنسان ، أي أنك عبد فشأنك أن تخضع لله ، العبد عبدٌ والرب رب ،

2. الحقيقة أن الأقوياء يملكون الرقاب ، لكن الأنبياء ومن سار في نهجهم يملكون القلوب :

الحقيقة أن الأقوياء يملكون الرقاب ، لكن الأنبياء يملكون القلوب ، فمثلاً بالجامعة للطلاب دوام ، فلو غاب طالب ثلاث مرات في بعض المواد يحرم من الامتحان ، تجد القاعة مليئة ، هذا الانضباط خوفاً من الرسوب ، لكن إذا رأيت مسجداً ممتلئاً فهذا الامتلاء طوعي ، فالبطولة لا في أن تملك الرقاب ، بل في أن تملك القلوب ، من شأن الأقوياء أن يملكوا الرقاب ، ومن شأن الأنبياء أن يملكوا القلوب ، بطولتك لا في ملك الرقاب ، بل في ملك القلوب ، بطولتك ، ليس للذي يقال في حضرتك خوفاً منك أو طمعاً بما عندك ، بل بطولتك بالذي يقال في غيبتك من دون أن يخافك الناس أو يرجوا ما عندك .

3. لماذا جعل الله أنبيائه بمعظمهم بدايةً ضعفاء؟

وهذا يقودنا إلى فكرة دقيقةٍ جداً وهي : أن الله جل ثناؤه لحكمة بالغةٍ أرادها جعل معظم أنبيائه في مطلع الدعوة ضُعفاء ، حيث لو أن إنساناً تهجَّم عليهم ، أو تطاول عليهم ، أو انتقص من قيمتهم ، أو طعن في رسالتهم ، أو كذَّبهم، أو سخر منهم ، أو اتهمهم بالجنون ، ساحر ، كاهن، مجنون ، فهذا الذي اتهمهم ، وتطاول عليهم ، ونال منهم، يذهب إلى بيته ، وينام نوماً هانئاً .
فإذا كان شخص ضعيف بالطريق ، تكلمت معه كلمةً جافيةً قاسية ، هل تقلق ليلاً ؟ لا ، فمن هذا الشخص؟ إنه لا شأن له ، أما إذا كان الشخص قوياً ، وتورطت معه بكلمةٍ ينبغي ألا تقولها ، أنا أرجح أنك لن تنام الليل .
فالنبي عليه الصلاة والسلام كان ضعيفاً ، لماذا كان ضعيفاً ؟ ليكون الإيمان به ثميناً ، لا خوفاً ولا طمعاً ، لو أن الله جعله ملكاً ، أحياناً ملك يعطي إشارة ، تجد الناس جميعاً هابوا سطوته ، ونفذوا أمره ، فهل هذا التنفيذ عبادة ؟ لا ، بل خوف لا قيمة له أبداً .

كلما تواضع الإنسان رفعه الله :

وبعدُ فاسمحوا لي أن أقول لكم هذه الكلمة : هناك علاقات دائماً ، علاقات مضطربة ، وعلاقات متعاكسة ، في هذا الموضوع كلما تواضعت لله رفعك الله عز وجل ، وكلما تكبرت وضعك الله عز وجل ، أنا لا أعتقد أن على وجه الأرض – وأنا أعني ما أقول ـ إنساناً واحداً رفع الله شأنه وأعزه ، كالنبي عليه الصلاة والسلام ، وأنت يجب أن تقتدي به ، إذا تواضعت رفعك الله عز وجل ، أن تجلس مع إنسان دونك هذا لا ينتقص من قدرك ، بل يرفع قدرك ، أن تُصغي إلى إنسان ضعيف ، أن تلبِّي دعوة إنسان فقير ، أن تجلس مع إنسان مسكين ، أن تصافح إنساناً من الدَهْمَاء من سوقة المجتمع ، أن تصافحه بحرارة ، وأن تجلس معه ، وأن تصغي إليه ، وأن تعينه ، وان تزور بيته الصغير ، هذا لا يقدح في مكانتك ، بل هذا يعلي قدرك .
لذلك إخواننا الكرام ، هذا الموضوع علاقته متعاكسة ، كلما تواضعت لله ، رفعك الله عز وجل ، وهؤلاء الجبابرة ، الذين تكبروا ، واستعلوا ، هؤلاء قصمهم الله عز وجل ، وأذل كبرياءهم ، ومرَّغَهُم في الوحل ، أقول لكم : ما من مخلوقٍ على وجه الإطلاق أعزَّه الله كالنبي عليه الصلاة والسلام ، يكفي أن تذهب إلى الروضة الشريفة ، وأن تقف لترى الألوف المؤلَّفة ، بل مئات الألوف ، بل بعض الملايين ، يمرُّون أمام قبره الشريف وهم يبكون ، ما هذا العز ؟
قال تعالى :

(وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ)

[سورة الشرح]

وأية صفةٍ للنبي عليه الصلاة والسلام لك منها نصيب ، أطع الله عز وجل ، مرِّغْ وجهك في أعتاب الله ، تواضع لله ، تواضع للفقراء والمساكين ، أصغ إلى ذوي الحاجة ، أصغِ إلى الضعفاء ، اجلس معهم ، لبِّ دعوتهم ، وانظر كيف أن الله يرفعك ، يرفعك إلى أعلى عليين ، ومن يكرم الله فما له من مهين ، فهل تعتقدون أن إنساناً أعزه الله كالنبي ؟
انظروا كيف كان :

أجلس كما يجلس العبد ، وآكل كما يأكل العبد ، وأشرب كما يشرب العبد ..

ويا محمد أتحب أن تكون نبياً ملكاً ؟ بل نبياً عبداً ، قال :

بل نبياً عبداً ، أجوع فأذكره ، وأشبع فأشكره

وآخر شيء في موضوعنا هذا
قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

… وَإِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ وَلَا يَبْغِ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ

البغي : العدوان ، أي لا عدوان مادي ، ولا عدوان معنوي ، العدوان المعنوي الكِبْر ، والمادي أن تأخذ ماله ، أو أن تسلبه شيئاً من حاجاته .
وبما أن العلم في الإسلام وسيلة ، وليس هدفاً ، نقل المعلومات ، والاستماع إلى الحقائق ، والاكتفاء بها ، والتزيُّن بها ، وتحليلها ، وتنميقها ، وعرضها ، هذا لا يقدِّم ، ولا يؤخر ، الذي يقدم ويؤخر ، أن تنقلب هذه الحقائق إلى سلوك , فأنت بحلمك، وعفوك ، وكريم خصالك تملك القلوب ،

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: السيرة – شمائل الرسول 1995 – الدرس (11-32) : زيارته لضعفاء المسلمين عامة ولأهل الصفة خاصة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1994-12-19