ثانياً- الإيمان – الإيمان بالله

ثانياً-  الإيمان
الإيمان: هو التصديق الجازم والإقرار الكامل والاعتراف التام بوجود الله وربوبيته وألوهيته ، واطمئنان القلب بذلك ، والتزامه بأوامر الله تعالى واجتناب نواهيه ، وبنبوة محمد  صلى الله عليه وسلم وقبول جميع ما أخبر به عن ربه وعن دين الإسلام والانقياد له  صلى الله عليه وسلم بالطاعة المطلقة فيما أمر به ، والكف عما نهى عنه ظاهراً وباطناً ، وإظهار الخضوع والطمائنينة لكل ذلك .
فهو اعتقاد بالقلب ، وقول باللسان ، وعمل بالجوارح ، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ،قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾(الأنفال : 2)، وقال تعالى : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾(الفتح: 4)، وقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : (الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعبَةً ، أَفْضَلُهَا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ)متفق عليه .
وأركانه ستة: الإيمان بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسوله ، وباليوم الآخر ، وبالقدر خيره وشره .
قال تعالى : ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ﴾ (البقرة: 177) ، وقال : ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ﴾(البقرة : 285)،وقال : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر:49) .
وعن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ  رضي الله عنه قال: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ  صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَْرِ ، لاَ يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ ، وَلاَ يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ  صلى الله عليه وسلم ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ ، وضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ ، وَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلاَمِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ  صلى الله عليه وسلم : الإِسْلاَمُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ  صلى الله عليه وسلم ، وَتُقِيمَ الصَّلاَةَ ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ ، إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ، قَالَ : صَدَقْتَ ، قَالَ : فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ ، قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ ، وَمَلاَئِكَتِهِ ، وَكُتُبِهِ ، وَرُسُلِهِ ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ ، قَالَ: صَدَقْتَ ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ ، قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ ،…، ثُمَّ قَالَ لِي: يَا عُمَرُ ، أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ ؟ قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ ، أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ)رواه مسلم .
1- الإيمان بالله:
أي الإيمان بوجود الله جل وعلا وتوحيده بالربوبية والألوهية .
ويكون الإِنسان مسلماً بالإقرار به ، والنطق بشهادة أَن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول اللَّه .
توحيد الربوبية :
الإقرار بوجود الله تعالى ، وإفراده تعالى بأفعاله كالخلق ، والرَزق والسيادة ، والإنعام ، والمُلك ، والتصوير ، والعطاء والمنع ، والنفع والضر ، والإحياء والإماتة ، والتدبير المحكم ، والقضاء والقدر، قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (الزمر: من الآية62) .
وإثبات ما أثبت الله لنفسه ، وأثبته له رسوله  صلى الله عليه وسلم ، من الأسماء الحسنى كالحي والقيوم قال تعالى : ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾(البقرة : 255)، والرحمن والرحيم قال تعالى : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾(الفاتحة : 2 ، 3). والصفات العُلى كالعلم ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾(البقرة : 255)، والسمع والبصر قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾(الشورى : 11)، والعلو قال تعالى : ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾(الأعلى: 1)، وقال تعالى : ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ﴾(النحل : 50)، والإقرار لله تعالى بمعانيها الصحيحة ودلالاتها ، واستشعار آثارها ومقتضياتها في الخلق .
ونفي ما نفاه الله عن نفسه ، ونفاه عنه رسوله  صلى الله عليه وسلم  قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، اللَّهُ الصَّمَدُ ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾(سورة الإخلاص).
الرّبّ: هو المعبود المالك المتصرّف ، وربّنا هو اللَّه الَّذي خلقنا وخلق جميع الخلق من عدم ، وربّانا وربّى جميع العالمين بنعمه ، وهو ربّ كلّ شيء ومالكه المتصرّف فيه ؛ الذي له الأمر كله ، وبيده الخير كله ، وإليه يرجع الأمر كله .
وقد دل العقل على وجود الله تعالى وانفراده بالربوبية وكمال قدرته على الخلق وسيطرته عليهم ، وذلك بالنظر والتفكر في آيات الله الدالة عليه كالنظر في آياته تعالى في خلق النفس البشرية ، قال تعالى : ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾(الذاريات : 21)، وقال تعالى : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾(الشمس : 7)، فلو أن الإنسان أمعن النظر في نفسه وما فيها من عجائب صنع الله لأرشده ذلك إلى أن له رباً خالقاً حكيماً خبيراً ؛ إذ لا يستطيع الإنسان أن يخلق النطفة التي كان منها ، أو أن يحولها إلى علقة ، أو يحول العلقة إلى مضغة ، أو يحول المضغة عظاماً ، أو يكسو العظام لحماً.
والنظر في آياته تعالى في خلق الكون ، قال الله تعالى : ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ  لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾(فصلت : 53)، وقال تعالى : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ (فصلت:37) ، فمن تأمل في هذا الكون وما فيه من سماء اشتملت على نجوم وكواكب وشمس وأقمار ، وأرض احتوت جبالاً ورمالاً وأشجاراً وبحاراً وأنهاراً ، وتسييره كله بهذا النظام الدقيق ؛ دله ذلك على أن هناك خالقاً لهذا الكون ، موجداً له مدبِّراً لشؤونه ، قال تعالى : ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ، أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ (الطور : 35 ، 36).
ولا يُتَصور أن يكون الخلق على هذا الكمال في التدبير والصنع بلا حكمة ولا غاية ، إذ لازم ذلك أنهم خلقوا عبثاً ، واللازم باطل ، فما بني عليه فهو باطل ، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ (الأنبياء:16) فأوضح  سبحانه أنه لم يخلق الخلق عبثاً ولا لعباً بل إنه خلقهم لحكمة عظيمة ، وإن حكمته تمنعه سبحانه من أن يتركهم بلا تكليف ولا ثواب ولا عقاب .
فلا يصح إيمان العبد ولا يتحقق توحيده إلا إذا وحد الله في ربوبيته ، إلا أن هذا النوع من التوحيد لا ينجي وحده من عذاب الله ما لم يأت العبد بلازمه وهو توحيد الألوهية ، ولذا يقول الله تعالى : ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾(يوسف : 106)، أي : ما يقر أكثرهم بالله رباً وخالقاً ورازقاً ومدبراً- وكل ذلك من توحيد الربوبية – إلا وهم مشركون معه في عبادته غيره من الأوثان والأصنام التي لا تضر ولا تنفع ، ولا تعطي ولا تمنع .
بل لقد كان المشركون زمن النبي  صلى الله عليه وسلم مُقِرِّين بالله رباً خالقاً رازقاً مدبراً ، وكان شركهم به من جهة العبادة حيث اتخذوا الأنداد والشركاء يدعونهم ويستغيثون بهم وينزلون بهم حاجاتهم وطلباتهم ؛ قال تعالى : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾(العنكبوت : 61)، وقال تعالى : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾(العنكبوت : 63)، وقال تعالى : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾(الزخرف : 87)، وقال تعالى : ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾(المؤمنون : 84- 89) .
فلم يكن المشركون يعتقدون أن الأصنام هي التي تنزل الغيث وترزق العالم وتدبر شؤونه ، بل كانوا يعتقدون أن ذلك من خصائص الرب سبحانه ، ويقرون أن أوثانهم التي يدعون من دون الله مخلوقة لا تملك لأنفسها ولا لعابديها ضراً ولا نفعاً استقلالاً ، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً ، ولا تسمع ولا تبصر ، ويقرون بأن الله هو المتفرد بذلك لا شريك له ، ليس إليهم ولا إلى أوثانهم شيء من ذلك ، وأنه سبحانه الخالق وما عداه مخلوق ، والرب وما عداه مربوب ، غير أنهم جعلوا له من خلقه شركاء ووسائط ، يشفعون لهم بزعمهم عند الله ويقربونهم إليه زلفى ؛ ولذا قال الله تعالى : ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾(الزمر : 3)، أي ليشفعوا لهم عند الله في نصرهم ورزقهم وما ينوبهم من أمر الدنيا .
توحيد الألوهية :
وهو إفراد الله تعالى بأفعال العباد التي يعملونها على وجه التقرب إليه (العبادة) ، كالدعاء ، والنذر ، والذبح ، والتوكل ، والخوف….الخ .قال تعالى :﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا ﴾(الإسراء : 39)، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (المائدة:72).
وتوحيد الألوهية هو أعظم الأصول على الإطلاق وأكملها وأفضلها وألزمها لصلاح الإنسانية ، وهو الذي خلق الله الجن والإنس لأجله ، وخلق المخلوقات وشرع الشرائع لقيامه ، وبوجوده يكون الصلاح ، وبفقده يكون الشر والفساد ، ولذا كان هذا التوحيد زبدة دعوة الرسل وغاية رسالتهم وأساس دعوتهم ، يقول الله تبارك وتعالى : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾(النحل : 36)، وقال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾(الأنبياء : 25).
وكانت الخصومة بين الأنبياء وأقوامهم فيه ، فالأنبياء يدعونهم إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له ، والأقوام يصرون على البقاء على الشرك وعبادة الأوثان إلا من هداه الله منهم .
والعبادة:هيالأَقوال والأَعمال التي أَمرنا الله فعلها لأجله، فهي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة .
وهي التي خلق الله تعالى الخلق من أجلها قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات:56) ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾(البقرة: من الآية21) ، وقال تعالى:﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾(النساء: 36).
وأنواعها كثيرة ومن الأمثلة عليها :الدعاء ، قال الله تعالى : ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾(غافر : 14)، وقال تعالى : ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾(الجن : 18). والاستعاذة وهي طلب الإعاذة والحماية من المكروه ، قال الله تعالى : ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾سورة الفلق، وقال تعالى ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ  مَلِكِ النَّاسِ  إِلَهِ النَّاسِ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ﴾سورة الناس.
والاستغاثة وهي طلب الغوث ، بالإنقاذ من الشدة والهلاك ، قال الله تعالى : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾(الأنفال : 9).
والذبح ، قال الله تعالى:﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾(الأنعام : 162)، وقال تعالى:(فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾(الكوثر : 2)
والعبادة قد تكون بالقلب كالخوف والرجاء ، أو باللسان كالدعاء والتسبيح وقرأت القرآن ، أو بالجوارح كالصلاة .
ويشترط لها شرطان:
1-   أن تكون خالصة لله تعالى ، قال تعالى:﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾(البينة: من الآية5) .
2-   أن تكون على سنة رسول الله  صلى الله عليه وسلم ، قال الله تعالى:﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾(الحشر : 7).
والمعبود هو الإله ، والإله الحق هو المتصف بجميع الصفات الكاملة والقدرات الباهرة حتى لا يعجزه شيء ، ولا يلحقه عيب أو نقص ، وهذه المرتبة لا ينالها مخلوق على الإطلاق ، لأن كل مخلوق مهما عظمت منزلته فهو عاجز وناقص لا محالة ، فلزم أنه لا يعبد سوى الله ، كما لزم أنه لا رب سوى الله .
ما يناقض التوحيد أو ينافي كماله:
يجب على المسلم تجنب كل ما قد يُشَوِه التوحيد من الأقوال والأعمال التي قد يزول معها أو ينقص بها ، والحذر من كل ذلك ، وخاصة مما يناقضه ويهدمه بالكلية ، ومن هذه النواقض :
1-الشرك : وهو نوعين :
أولاً: الشرك الأكبر : وهو تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله تعالى .
وهو ناقل من ملة الإسلام محبط للأعمال كلها ، وصاحبه إن مات عليه يكون مخلداً في نار جهنم ، قال تعالى :﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾(النساء : 48)، وقال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾(لقمان : 13)، وقال تعالى:﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾(الزمر : 65)، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾(المائدة : 72)، وهو نوعين :
أ- الشرك في الربوبية : وهو تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الربوبية ، أو نسبة شيء منها إلى غيره ، كالخلق والرَزق والإيجاد والإماتة والتدبير لهذا الكون ونحو ذلك ، قال تعالى : ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾(فاطر : 3).
أو تسوية غير الله بالله في شيء من أسماءه أو صفاته ، قال تعالى : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾(الشورى 11).
ب- الشرك في الألوهية : وهو تسوية غير الله بالله وذلك بصرف شيء من العبادات لغير الله تعالى ، كالصلاة والصيام والدعاء والاستغاثة والذبح والنذر ونحو ذلك ، وهو أنواع منها :
-شرك الدعاء، وهو دعاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله من إحياء ميت أو شفاء مريض أو طلب رزق ، وذلك أن الدعاء من أعظم أنواع العبادة ، قال النبي  صلى الله عليه وسلم : (الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ)رواه أحمد والترمذي ، فمن دعا نبياً أو ملكاً أو ولياً أو قبراً أو حجراً أو غير ذلك من المخلوقين فهو مشرك كافر ،  قال تعالى : ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾(المؤمنون : 117)، وقال تعالى : ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾(العنكبوت : 65).
تنبيه: دعاء الإنسان واستغاثته واستعاذته بغيره ينقسم إلى ثلاثة أقسام :
الأول : دعاء مخلوق في أمر من الأمور التي يمكن أن يدركها بأشياء محسوسة ، كسؤال الفقير ، واستغاثة الغريق بمن ينقذه من الحاضرين ، فهذا جائز .
الثاني : دعوة مخلوق والاستغاثة به فيما لا يقدر عليه إلا الله كدعائه بأن يجعل ما في بطن المرأة ولداً ،  أو استغاثته به ليدخله الجنة وينجيه من النار ، فهذا شرك أكبر .
الثالث: دعوة أو استغاثة بمخلوق لا يجيب بالوسائل الحسية المعلومة كالدعاء والاستغاثة بالأموات والغائبين ، فهذا شرك أكبر ، لأنه لا يقع مثل هذا إلا إذا اعتقد الداعي في المدعو شيئاً سرياً يدبر به الأمر .
-شرك النية والإرادة والقصد، وذلك أن ينوي بأعماله الدنيا أو الرياء أو السمعة ، إرادة كلية كأهل النفاق الخُلَّص ، ولم يقصد بها وجه الله والدار الآخرة ، فهو مشرك الشرك الأكبر ، قال الله تعالى : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾(هود : 15-16).
-شرك الطاعة، فمن أطاع المخلوقين في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله ، ويعتقد ذلك بقلبه أي أنه يسوغ لهم أن يحللوا ويحرموا ويسوغ له ولغيرهطاعتهم في ذلك مع علمه بأنه مخالف لدين الإسلام فقد اتخذهم أرباباً من دون الله وأشرك بالله الشرك الأكبر ، قال الله تعالى : ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾(التوبة : 31).
-شرك المحبة، والمراد محبة العبودية المستلزمة للإجلال والتعظيم والذل والخضوع التي لا تنبغي إلا لله وحده لا شريك له ، ومتى صرف العبد هذه المحبة لغير الله فقد أشرك به الشرك الأكبر ، قال تعالى : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾(البقرة : 165).
ثانياً: الشرك الأصغر:وهو كل ما كان ذريعة إلى الشرك الأكبر ووسيلة للوقوع فيه أو ما جاء في النصوص تسميته شركاً ولم يصل إلى حد الشرك الأكبر ، وهو يقع في هيئة العمل وأقوال اللسان ، ويجب التوبة منه .
ومن أمثلته ما يلي :
أ- يسير الرياء، قال النبي  صلى الله عليه وسلم : (إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ) ، قالوا : وما الشرك الأصغر يا رسول الله ؟ قال : (الرِّيَاءُ ، إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، يَقُولُ يَوْمَ يُجَازِي الْعِبَادَ بِأَعْمَالِهِمُ : اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاؤُونَ بِأَعْمَالِكُمْ فِي الدُّنْيَا ، فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ خَيْرًا)رواه أحمد .
ب- تعليق التمائم: وهي ما يعلق على العنق وغيره من تعويذات أو خرزات أو عظام أو نحوها لجلب نفع أو دفع ضر ، وهي نوع من أنواع الشرك ؛ لما فيها من التعلق بغير الله ؛ إذ لا دافع إلا الله ، ولا يطلب دفع المؤذيات إلا بالله وأسمائه وصفاته ، قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم :(إِنَّ الرُّقَى ، وَالتَّمَائِمَ ، وَالتِّوَلَةَ ، شِرْكٌ)رواه أبو داود ، وقال  صلى الله عليه وسلم :(مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً ، فَقَدْ أَشْرَكَ)رواه أحمد .
فإن اعتقد لابسها أنها مؤثرة بنفسها دون الله فهو مشرك شركاً أكبر في توحيد الربوبية ؛ لأنه اعتقد وجود خالق مدبر مع الله تعالى .
وإن اعتقد أن الأمر لله وحده وأنها مجرد سبب غير مؤثر ، فهو مشرك شركاً أصغر لأنه جعل ما ليس سبباً سبباً والتفت إلى غير الله بقلبه ، وفعله هذا ذريعة للانتقال للشرك الأكبر إذا تعلق قلبه بها ورجا منها جلب النعماء أو دفع البلاء .
2- الكفر: وهو ضد الإيمان ، وهو اعتقادات وأقوال وأفعال حكم الشارع بأنها تناقض الإيمان كلياً أو جزئياً .
وهو نوعان :
أولاً: الكفر الأكبر : وهو عدم الإيمان بالله ورسوله ، سواء كان معه تكذيب أو لم يكن معه تكذيب ؛ بل عن شك وريب ، أو الإعراض عن الإيمان بالله ورسوله  صلى الله عليه وسلم حسداً وكبراً أو اتباعاً لبعض الأهواء الصارفة عن اتباع الرسالة ، وهو موجب للخلود في النار ، وهو أنواع منها :
-كفر التكذيب ، وهو اعتقاد كَذِبِ الرسل عليهم السلام ، فمن كذَّبهم فيما جاؤوا به ظاهراً أو باطناً فقد كفر ، قال تعالى :﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ (العنكبوت : 68).
-كفر الإباء والاستكبار ، وذلك بأن يكون عالماً بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأنه جاء بالحق من عند الله ، لكن لا ينقاد لحكمه ولا يذعن لأمره ، استكباراً وعناداً ، قال تعالى : ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾(البقرة : 34).
-كفر الشك ، وهو التردد ، وعدم الجزم بصدق الرسل عليهم السلام ، ويقال له كفر الظن ، وهو ضد الجزم واليقين ، قال تعالى : ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا  وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾(الكهف : 35- 38).
-كفر الإعراض ، والمراد الإعراض الكلي عن الدين ، بأن يعرض بسمعه وقلبه وعلمه عما جاء به الرسول  صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾(الأحقاف : 3).
-كفر النفاق بأن يظهر الإيمان ويبطن الكفر ، قال تعالى : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾(المنافقون : 3)، وهو نوعين :
1 – نفاق اعتقادي وهو كفر أكبر ناقل من الملة وهو أنواع منها : تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو تكذيب بعض ما جاء به ، أو بغض الرسول  صلى الله عليه وسلم ، أو بغض ما جاء به ، أو المسرة بانخفاض دين الرسول  صلى الله عليه وسلم ، أو الكراهية لانتصار دين الرسول  صلى الله عليه وسلم .
2 – نفاق عملي وهو كفر أصغر لا يخرج من الملة ، إلا أنه جريمة كبيرة وإثم عظيم ، ومنه ما ذكره النبي  صلى الله عليه وسلم في الحديث حيث قال : (أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا ، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ ، كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ ، حَتَّى يَدَعَهَا : إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ)متفق عليه .
-ادعاء علم الغيب ، والغيب هو كل ما غاب عن العقول والأنظار من الأمور الحاضرة والماضية والمستقبلة ، وقد استأثر الله عز وجل بعلمه واختص نفسه سبحانه بذلك ، قال الله تعالى : (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾(النمل:65)، فلا يعلم الغيب أحد إلا الله ، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل فضلاً عمن هو دونهما .
والله سبحانه قد يُطْلِعُ بعض خلقه على بعض الأمور المغيبة عن طريق الوحي ، كما قال تعالى : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾(الجن: 26-28)، وهذا من الغيب النسبي الذي غاب علمه عن بعض الخلق دون بعض ، أما الغيب المطلق فلا يعلمه إلا هو سبحانه .
ولهذا فإن الواجب على كل مسلم أن يحذر من الدجالين والكذابين المدعين لعلم الغيب المفترين على الله ، الذين ضلوا في أنفسهم وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل ، كالسحرة والعرافين والمنجمين ، وغيرهم .
ثانياً : الكفر الأصغر : وهو لا يخرج صاحبه من الملة ولا يوجب الخلود في النار وإنما عليه الوعيد الشديد ، وهو كفر النعمة ، وهو جميع ما ورد في النصوص من ذكر الكفر الذي لا يصل إلى حد الكفر الأكبر .
 ومن أمثلته قوله تعالى:﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ ، لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾(النحل : 112)، وقوله   صلى الله عليه وسلم :(اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ : الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ)رواه مسلم.