حقوق المرأة وأحكام الزواج بين المسيحية والإسلام

دائما ما تثار قضايا المرأة للقدح في الإسلام والطعن فيه والانتصار للمسيحية على اعتبار أن المسيحية يعدها البعض أكثر إنصافا للمرأة من حيث أحكام الزواج. ولتجنب الكلام المرسل والشعارات الزائفة، هيا لنرصد معا حقوق المرأة في أحكام الزواج بين المسيحية والإسلام.

الزواج والتبتل والحق في الزواج

إن الزواج عفة للمرأة والرجل على حد سواء، بيد أن الزواج أنفع للمرأة من الرجل حيث يكفل لها الزواج من يقوم على أمرها ويرعاها ولا يتوفر ذلك لها إلا من خلال الزواج الشرعي. أما بدونه فلا تجد المرأة من يقوم على أمرها ويرعاها في إطار شريف عفيف. أما الرجل فقد يستعيض عن المنافع التي يحققها من خلال الزوجة بطريق غير مشروع. فقد يشتري الإشباع الجنسي والخدمة المنزلية بالمال. وعلى الرغم مما في الزواج من منافع كبيرة للرجل ومنافع أكبر للمرأة، نجد أن المسيحية حبذت التبتل وعدم الإقدام على الزواج.

ففي رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 7، نقرأ ما يلي: “وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الأُمُورِ الَّتِي كَتَبْتُمْ لِي عَنْهَا: فَحَسَنٌ لِلرَّجُلِ أَنْ لاَ يَمَسَّ امْرَأَةً”. (1 كورنثوس 1:7)، كما نقرأ: “وَلكِنْ أَقُولُ لِغَيْرِ الْمُتَزَوِّجِينَ وَلِلأَرَامِلِ، إِنَّهُ حَسَنٌ لَهُمْ إِذَا لَبِثُوا كَمَا أَنَا” (1 كورنثوس 8:7)، كما نقرأ أيضا: “وَأَمَّا الْعَذَارَى، فَلَيْسَ عِنْدِي أَمْرٌ مِنَ الرَّبِّ فِيهِنَّ، وَلكِنَّنِي أُعْطِي رَأْيًا كَمَنْ رَحِمَهُ الرَّبُّ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا. فَأَظُنُّ أَنَّ هذَا حَسَنٌ لِسَبَبِ الضِّيقِ الْحَاضِرِ، أَنَّهُ حَسَنٌ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ هكَذَا: أَنْتَ مُرْتَبِطٌ بِامْرَأَةٍ، فَلاَ تَطْلُبِ الانْفِصَالَ. أَنْتَ مُنْفَصِلٌ عَنِ امْرَأَةٍ، فَلاَ تَطْلُبِ امْرَأَةً. لكِنَّكَ وَإِنْ تَزَوَّجْتَ لَمْ تُخْطِئْ. وَإِنْ تَزَوَّجَتِ الْعَذْرَاءُ لَمْ تُخْطِئْ. وَلكِنَّ مِثْلَ هؤُلاَءِ يَكُونُ لَهُمْ ضِيقٌ فِي الْجَسَدِ. وَأَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُشْفِقُ عَلَيْكُمْ”. (1 كورنثوس 7 :25-28)

ونقرأ أيضا: “فَأُرِيدُ أَنْ تَكُونُوا بِلاَ هَمٍّ. غَيْرُ الْمُتَزَوِّجِ يَهْتَمُّ فِي مَا لِلرَّبِّ كَيْفَ يُرْضِي الرَّبَّ، وَأَمَّا الْمُتَزَوِّجُ فَيَهْتَمُّ فِي مَا لِلْعَالَمِ كَيْفَ يُرْضِي امْرَأَتَهُ. إِنَّ بَيْنَ الزَّوْجَةِ وَالْعَذْرَاءِ فَرْقًا: غَيْرُ الْمُتَزَوِّجَةِ تَهْتَمُّ فِي مَا لِلرَّبِّ لِتَكُونَ مُقَدَّسَةً جَسَدًا وَرُوحًا. وَأَمَّا الْمُتَزَوِّجَةُ فَتَهْتَمُّ فِي مَا لِلْعَالَمِ كَيْفَ تُرْضِي رَجُلَهَا. هذَا أَقُولُهُ لِخَيْرِكُمْ، لَيْسَ لِكَيْ أُلْقِيَ عَلَيْكُمْ وَهَقًا، بَلْ لأَجْلِ اللِّيَاقَةِ وَالْمُثَابَرَةِ لِلرَّبِّ مِنْ دُونِ ارْتِبَاكٍ”. (1 كورنثوس 7 :32-35)

“إِذًا، مَنْ زَوَّجَ فَحَسَنًا يَفْعَلُ، وَمَنْ لاَ يُزَوِّجُ يَفْعَلُ أَحْسَنَ. الْمَرْأَةُ مُرْتَبِطَةٌ بِالنَّامُوسِ مَا دَامَ رَجُلُهَا حَيًّا. وَلكِنْ إِنْ مَاتَ رَجُلُهَا، فَهِيَ حُرَّةٌ لِكَيْ تَتَزَوَّجَ بِمَنْ تُرِيدُ، فِي الرَّبِّ فَقَطْ. وَلكِنَّهَا أَكْثَرُ غِبْطَةً إِنْ لَبِثَتْ هكَذَا، بِحَسَبِ رَأْيِي. وَأَظُنُّ أَنِّي أَنَا أَيْضًا عِنْدِي رُوحُ اللهِ”. (1 كورنثوس 7 :38-40)

ولا يخفى على أحد أن الرهبان والراهبات يفرض عليهم وعليهن التبتل حتى “لا ينقض نذر التبتل” تأسيا بمريم وابنها المسيح عليهما السلام. وهذا كله وإن كان يخالف الفطرة الإنسانية بل وغير منصوص عليه في الكتاب المقدس، إلا أن فيه مساواة بين الرجل والمرأة. ولكن فرض التبتل على المرأة لم يقف عند هذا الحد في المسيحية، وإنما جاوز حدود العدل والمساواة، فنجد المسيحية تحرم الزواج على الأرامل والمطلقات والتزوج منهن. فتارة نجد أن المسيحية تعد رغبة الأرامل في الزواج بطرا على المسيح، فنقرأ في رسالة بولس الرسول الأولى إلى تيموثاوس 5: “أَمَّا الأَرَامِلُ الْحَدَثَاتُ فَارْفُضْهُنَّ، لأَنَّهُنَّ مَتَى بَطِرْنَ عَلَى الْمَسِيحِ، يُرِدْنَ أَنْ يَتَزَوَّجْنَ” (1 تيموثاوس 11:5)، وتارة نجدها تعد الزواج من المطلقات زنا بواحا، فنقرأ: “وَمَنْ يَتَزَوَّجُ مُطَلَّقَةً فَإِنَّهُ يَزْنِي” (متى 32:5)، كما نقرأ: “وَالَّذِي يَتَزَوَّجُ بِمُطَلَّقَةٍ يَزْنِي” (متى 9:19)

أما الإسلام، فقد أوجب الزواج على جميع المستطيعين من الرجال وأحله لجميع المسلمات. فعن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ـ رضى الله عنه ـ قال: جَاءَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ‏.‏ قَالَ أَحَدُهُمْ أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا‏.‏ وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلاَ أُفْطِرُ‏.‏ وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلاَ أَتَزَوَّجُ أَبَدًا‏.‏ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: ‏”‏ أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي‏”‏‏.‏ (رواه البخاري)

ولقد ورد النهي عن التبتل في القرآن الكريم حيث عاب على الكهنة ما ابتدعوه من الرهبانية والتبتل. يقول الله تعالى:

وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ (الحديد 27:57)

ولا فرق في حق الزواج بين النساء، فجميعهن لهن الحق في الزواج سواء كن أبكارا أو ثيبات. ولقد حض القرآن الكريم المجتمع الإسلامي على تزويج غير المتزوجين من المسلمين (الأيامى) سواء كانوا رجالا أو نساء، أحرارا أم عبيدا. يقول الله تعالى:

وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ” (النور: 32:24)

ومن ثم، لم يفرض الإسلام حظرا على زواج المطلقات والأرامل على نحو ما نجده في المسيحية. ولقد ضرب النبي محمد صلى الله عليه وسلم المثل في إعطاء جميع النساء الحق في الزواج، فتزوج من الأبكار والثيبات على حد سواء، بل لم يتزوج النبي محمد بكرا بخلاف السيدة عائشة رضي الله عنها، وكانت سائر زوجاته عليه الصلاة والسلام ثيبات، أي أرامل أو مطلقات.

وهكذا، وفر الإسلام قيّما وعائلا لكل امرأة في إطار شريف عفيف ونهى عن كل أشكال الإشباع الجنسي خارج إطار الزواج المشروع وكفل لكل امرأة الحق في الزواج سواء كانت بكرا أم ثيبا.

_________

المراجع:

1- القرآن الكريم

2- صحيح البخاري

3- الكتاب المقدس

4- موقع الأنبا تكلا