اخلاق النبي

خُلق النبي العظيم صلى الله عليه وسلم

 

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الإخوة المؤمنون ؛ مع شمائل النبي صلى الله عليه وسلم خُلقه العظيم ، فالأصل في هذا الموضوع قول الله عزَّ وجل :

(ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)

[سورة القلم الآية: 1-4]

الدين هو العقل :

يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مع أصحابه ، فرأوا في الطريق إنساناً مجنوناً ، فسأل النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه سؤال العارف فقال :

من هذا ؟

قالوا : مجنون
قال :

لا ، هذا مبتلى ، المجنون من عصى الله

أي إن العقل السليم يجب أن يهدي صاحبه إلى معرفة الله ، وإلى طاعته ، ويمكن أن تمتحن عقلك امتحاناً دقيقاً ، فكلما هداك إلى الله كان عقلك أرجح ،
لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً

هنا نقف أمام مشكلة محيِّرة ، قد تجد إنسانًا يحمل أعلى شهادة ؛ بورد مثلاً ، متفوقًا في اختصاصه تفوقًا مذهلاً ، أحد فلتات العصر في اختصاصه كما يقال ؛ في الآداب ، في العلوم ، في الفيزياء ، في الرياضيات ، وتراه لم يعرف ربه ، وهو غارقٌ في المعاصي ، وقد يشرب الخمر ، ولا يصلي ، فكيف توفق بين هذه الظاهرة ، وبين أن الدين هو العقل ، وأنه من لا عقل له لا دين له ؟
هذه المشكلة أشار إليها بعض العلماء إشارة لطيفة ، فميَّز بين العقل والذكاء ، وقال :

الذكاء يتعلق بالجُزئيات ، والعقل يتعلق بالكليات

ما كل ذكيٍ عاقلاً ، ولا يسمَّى الإنسان عاقلاً إلا إذا عرف الله ، لا يسمى الإنسان عاقلاً إلا إذا أدرك كليَّات الحياة ، لماذا أنت في الحياة ؟ لذلك لا تؤخذ بإنسانٍ متفوق في اختصاصه وهو يعصي الله ، هذا لا يسمى عاقلاً ، بل يسمى ذكياً ، والله سبحانه وتعالى لحكمةٍ بالغةٍ أرادها جعل أحطَّ الحيوانات من أذكى الحيوانات ، الحيوانات التي تعيش في المجاري هي من أذكى الحيوانات ، وهناك دراسات تؤكِّد أنها تتمتع بذكاء يندر مثيله من بين الحيوانات ، فالذكاء وحده ليس قيمةً يعتدُّ بها في ميزان المكارم .
إذاً النبي عليه الصلاة والسلام قال الله عزَّ وجل عنه :

(مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ)

[سورة القلم الآية: 2]

قال الله عزَّ وجل:

(قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ)

[سورة هود الآية: 28]

يجب أن تشعر أيها الأخ الكريم بنعمة الله عليك ، فإذا تفضَّل الله عليك بمعرفته ، وطاعته، إذَا تكوّنتْ لديك فكرة صحيحة عن خالق الكون ، وصار عندك فكرة صحيحة عن منهجه ، ففي الأعم الأغلب عندئذٍ أنت مستقيم على منهج الله عزَّ وجل ، فلا تأكل مالاً حرامًا ، ولا تعتدي على أعراض الناس ، بل تعرف حدك فتقف عنده ، وهذه نعمةٌ عُظمى ، بل هذه النعمة المطلقة المُطلقة ..
قال الله عزَّ وجل:

(اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)

[سورة الفاتحة الأية: 6-7]

الْمَغْضُوبِ عليهم هم الذين عرفوا وعصوا ، الضَّالِّينَ لم يعرفوا ، ولم يطيعوا ، الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ هم الذين عرفوا ربهم ، وأطاعوه ..
قال الله عزَّ وجل:

(وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)

[سورة الأحزاب : من آية 71]

فالبطولة ألاّ يتأثر الإنسانُ بكلام الآخرين ..
قال الله عزَّ وجل:

(وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ)

[سورة يوسف الأية: 103]

فعامة الناس ؛ تائه ، ضال ، شارد ، جاهل ، لا يعلم ، فالناس يعظمون أرباب الأموال ، يعظِّمون الأغنياء ، الأقوياء ، يعظمون من أوتوا حظوظاً من الدنيا كبيرة ، ولكنهم قد لا يأبهون لمؤمن خشع قلبه ، واستنار عقله ، وضبط سلوكه .
طبعاً موطن الثقل ، أو موطن الشاهد في هذه الآية :

(وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ)

[سورة القلم الآية: 3]

على صبرك على هؤلاء ، وعلى دعوتك إليهم ، أجر غير مقطوع .

الدين هو الخُلق :

(وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)

[سورة القلم الآية: 4]

اسمحوا لي أيها الإخوة أن أقول لكم : الدين بمجمله خلقٌ حسن ، و هناك أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم تزيد عن خمسين حديثًا ، تؤكِّد أن حسن الخلق

أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلُقاً
وأن أكمل المسلمين إسلاماً أحسنهم خلقاً
أن الخلق الحسن ذهب بالخير كله
أن الخلق الحسن يذيب الخطايا كما تذيب النار الثلج ، الخلق الحسن هو الدين

السبب أنّ الإنسان أيها الإخوة مخلوقٌ لحياةٍ أبدية ، ثمن هذه الحياة الأبدية أن ينهى النفس عن الهوى، والخلق الحسن هو ضبطٌ للهوى ..
قال الله عزَّ وجل:

(فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى)

[سورة الليل الآية: 5 – 6]

وقال عزَّ وجل:

(وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى)

[سورة النازعات الآية:40]

الشجاعة معاكسة لميل حب السلامة ، السخاء معاكس لميل حب المال ، أداء العبادات يتناقض مع راحة الجسم ، فلو أردت أن تعدد تكاليف الدين لوجدت أن الدين كله عملية ضبط للنزوات والأهواء ، فكلما كان ضبطك أشد كان مقامك أعلى عند الله عزَّ وجل .
فحقيقة الدين تتوافق مع الفطرة ، ولكنها تتناقض مع الطبع ، الجسم يحب الراحة ، والتكليف أن تصلي، الجسم يحب أن يتسلَّى ، ويلهو بأحاديث الناس وقصصهم ، والتكليف أن تسكت ، الجسم يحب أن ينظر إلى المحرَّمات ، والتكليف أن تغض البصر.
فالخلُق الحسنُ ضبط للنزوات ، ضبط للشهوات ، ضبط للأهواء ، فإذا أردت أن تلخص الدين كله ، فالدين خلُق حسَن ، والإنسان الذي لا دينَ له يأكل ما يريد ، يتكلم ما يشاء ، يذهب إلى حيث يشاء ، يعطي نفسه كل أهوائها، الدين إنسان منضبط ، وغير الدين إنسان متفلت .
الناس رجلان ؛ موصول منضبط محسن ، ومقطوع متفلت مسيء ، ولن تجد إنساناً ثالثاً ، على الرغم من أن هناك تقسيمات كثيرة كثيرة كثيرة ، يقول لك : الشمال والجنوب ، والشرق والغرب ، والعنصر الآري والعنصر السامي ، والسود والبيض والملونون ، والدول المتخلفة ، والنامية ، والمتقدمة ، والشعوب ذات البنية الخاصة ، وصنفوا الشعوب تصنيفات عديدة ، فهناك أغنياء وفقراء ، وأقوياء وضعفاء، ومثقفون وغير مثقفين ، كل هذه التقسيمات تنتهي يوم القيامة إلى فريقين ؛ إنسان أول :
قال الله عزَّ وجل:

(فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى)

[سورة الليل الآية: 5 – 6]

وإنسانٌ آخر :

(وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى)

[سورة الليل الآية: 8 – 9]

إنسانٌ أول :
وقال عزَّ وجل:

(وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى)

[سورة النازعات الآية:40]

وإنسان آخر :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ

[رواه الترمذي]

إنّها عملية فرز في صنفين ، قلت هذا مفصلاً في درسٍ سابق : إنّ الناس مؤمن وكافر ، مشرك وموحِّد ، منضبط ومتفلت ، محسن ومسيء ، مستقيم ومنحرف ، مخلص وخائن ، مقسط وظالم .

أعظم صفة في النبي وصفه الله بها خلقه الحسن

(وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)

أي إنّ وصف ربنا عزَّ وجل جامع مانع ، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يكن أعظم الخطباء على الإطلاق ؟ نعم ؟ أما إنّه كان أعظم المحدثين ؟ فنَعَمْ ، ما كان أعظم العلماء ؟ نعم ، وأعظم القادة ، وأعظم المتكلمين ، لكن الله حينما وصفه فبماذا وصفه ؟ :

(وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)

وصفه الوصف الذي يرفعه ، فإذا أوتي شخصٌ مقدرة كلامية ، أو ذاكرة قوية ، أو محاكمة جيدة ، قد يتفوق ، ولكنه لا يرقى عند الله إلا بخلقه العظيم ، ولو تتبعت ما في السنة النبوية الشريفة لوجدت أن الخير كله في الخُلُق العظيم .

(وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)

عَلى تفيد الاستعلاء والتمكُّن ، أي إنّ النبي عليه الصلاة والسلام متمكن من خلقه العظيم، لكن بعض الذين أحياناً يتخلَّقون بأخلاق جيِّدة فبعدَ بعد صراع ، وبعد انتصار على أمرٍ صغير ، يقول لك : عانيت معاناة شديدة ، ثم انتصرت على نفسي ، أما النبي عليه الصلاة والسلام فخُلُقُه العظيم يعني أنه متمكن .

(وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)

هذا وصف عام ..

كان خلق النبي القرآن

وبعد ، فما هو إذًا هذا الخلُق ؟
إذا دخلنا في التفاصيل ، ما هو هذا الخلق ؟
فعَنِ الْحَسَنِ قَالَ سُئِلَتْ عَائِشَةُ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ :

كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ

[رواه مسلم ، وأحمد ، واللفظ له]

فالقضية سهلة ، وأرجو الله سبحانه وتعالى إذا قرأنا القرآن أن نقيس أنفسنا بآياته دائماً ، فمثلاً
أين أنتَ من قوله تعالى :

(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)

[سورة الأنفالالآية: 2]

أين أنت من هذه الآية ؟

(ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)

[سورة البقرة الآية:2 – 3]

أين أنت من هذه الآية ؟

(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ)

[سورة المؤمنون الآية: 1 – 5]

ثمّ أين أنت من هذه الآية ؟

(وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً)

[سورة الفرقان الآية: 63 – 64]

هذا الذي أرجوه من الله عزَّ وجل ، إذا قرأت القرآن أن تسأل هذا السؤال الدائم : أين أنا من معاني هذه الآية ؟
أنا مع من ؟

(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ)

[سورة البقرة : من آية 222]

هل أنت من التوابين ؟

(وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ)

[سورة التوبة: من الآية: 108]

إن الله يحب الصادقين ، إذا قرأت القرآن دائماً اسأل نفسك : أين أنت من هذه الآيات ؟ النبي صلى الله عليه وسلم كما قالت السيدة عائشة :

كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ

يغضب لغضبه ، ويرضى لرضاه .
فمثلاً ما الذي يغضبك كفي عملك ؟ إنْ لم يدفع لك إنسانٌ تغضب !! فهذه علاقة غير صحيحة ، وكذلك قد يكون لديك علاقة ربوية ولا تغضب لها ‍‍!
متى يكون خلقُك القرآن ؟ إذا غضبت لغضب القرآن ، و رضيت لرضاه .
ومرةً ثانية ، إذا قرأت القرآن فاسأل نفسك هذا السؤال دائماً : أين أنا من هذه الآية ؟
أنا مع من ؟

(وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)

[سورة الشورى الآية: 39 – 40]

أنت مع من ؟

(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)

[سورة النحل الآية: 90]

أنت مع من ؟ كلما قرأت آيةً صنِّف نفسك مع إحدى فقراتها .
وروى ابن أبي شيبة عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالت :

كان أحسن الناس خلقاً ، كان خلقه القرآن ، يرضى لرضاه ، ويغضب لغضبه ، لم يكن فاحشاً ولا متفحِّشاً ، ولا صخَّاباً في الأسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح ثم قالت : اقرأ : ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى عشر آيات ، فقرأ السائل ، فقالت : هكذا كان خلق رسول الله

إذاً اقرأ القرآن ، ودائماً وازن بين أخلاقك والوصف القرآني للمؤمنين ، فإذا تطابقا فهذه نعمة الله العظمى ، إذا كان الفارق بسيطًا فحاوِلْ أن تقلِّل من هذا الفارق ، إلى أن تطابق أخلاقك مع وصف القرآن الكريم لأخلاق المؤمنين .

إجابتة الدعوة والتواضع

وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت :

ما كان أحدٌ أحسن خلقاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال : لبيك ، فلذلك أنزل الله تعالى:

(وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)

لبيك ، تواضعٌ مع الناس لا تصده أبراج عاجية ، ولا تمنعه حواجز شكلية ، ما دعاه أحدٌ من الناس أو من أصحابه أو من أهل بيته إلا قال : لبيك
أحياناً يدعوك فقير فيجب أن تلبي ، ويدعوك إنسان ضعيف الشأن في المجتمع فيجب أن تلبي ، فكلما كنت متواضعًا مع الناس ؛ مع فقرائهم ، مع مساكينهم ، مع الطبقة الدنيا من المجتمع ، تألَف وتؤْلَف ، تعطي وتأخذ ، فأنت على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
عن عمر رضي الله عنه أن رجلاً نادى النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثاً ، وفي كل مرةٍ يردُّ عليه النبي ويقول :

لبيك لبيك

خدمة جميع الناس :

إخواننا الكرام ؛ دققوا في هذه الفكرة : إذا سمح الله عزَّ وجل لك أن تكون في خدمة عباده ، فيجب أن تقوم بهذا العمل على أتمِّ وجه ، وإذا طلب الإنسان من الله عزَّ وجل أن يكون باباً له ، فعليه أن يكون مع الناس بأعلى درجات التواضع والخدمة ، لأنه كما قال بعض الصالحين :

يا رب ، لا يطيب الليل إلا بمنجاتك ، ولا يطيب النهار إلا بخدمة عبادك

أي إنّ أساس الدين أنّ هذا الخالق العظيم خلقك ، ولم تكن شيئاً مذكوراً ، فأنعم عليك بنعمة الإيجاد ، ثم أنعم عليك بنعمة الإمداد ، وأخيرًا عليك بنعمة الهدى والرشاد ، وأنت لا تملك إلا أن تخدم عباده اعترافاً بهذا الفضل ، فأساس الدين خدمة الخلق تقرباً للحق ، ولا تميز بين عبدٍ وعبد ، كلهم عبادٌ لله عزَّ وجل ، مسلمين وغير المسلمين .

حسن الوجه الناتج عن صفاء السريرة:

قال الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا وَأَحْسَنَهُ خَلْقًا لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ وَلَا بِالْقَصِيرِ

أما أحسن الناس وجهاً ليس المقصود به الجمال المادي ، المقصود أن الإنسان إذا صفت سريرته ظهر هذا الصفاء في وجهه ، تنظر إلى وجهه فترتاح له ، قد يكون ملوَّنًا ، لكنك تشعر أنّ فيه صفاء ، تشعر أنّ فيه روحانية ، وفيه تألق ، فيه نور ، لا أقصد أبداً جمال الصورة المادية ، أقصد أنك إذا نظرت إلى مؤمن رأيت في وجهه نوراً ، رأيت في وجهه صفاءً ، رأيت في وجهه تألُّقاً ، هذا التألق وذاك الصفاء وهذا النور انعكاس لصفاء نفسه ، ونورانيَّة قلبه ، وكمال خلقه ، هذا معنى كونِ النبي عليه الصلاة والسلام أحسنَ الناس وجهاً ، وأحسنهم خلقًا ، ويضاف إلى ذلك أن وجه النبي عليه الصلاة والسلام كان كالبدر ، كان من أجمل الوجوه ، إضافة إلى النورانية ، وإلى التألُّق والصفاء ، كان من أجمل الوجوه خَلْقًا .

وأحسن منك لم تر قط عيني***وأكمل منك لم تلد النساءُ
خلقت مبرَّأً من كل عيبٍ***كأنك قد خلقت كما تشاءُ

قال الرواة :

فهو عليه الصلاة والسلام أجمل خلق الله خَلْقاً وأكملهم خلُقاً ، بل هو فيّاض المكارم والكمالات

علة بعثته صلى الله عليه وسلم ، غرس القيم الخُلقية في المجتمع البشري:

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ

[أحمد]

وفي رواية أخرى :

إنما بعثت معلماً ، إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق

هذا حديث خطير ، وهذه اللام لام التعليل ، أي أن علة بعثته صلى الله عليه وسلم ، غرس القيم الخُلقية في المجتمع البشري ، معنى ذلك أنّ العلم في الإسلام وسيلة وليس غاية ، فإذا انحرف الإنسان ظن أن العلم وحده هو كل شيء ، فيحقق ، يمحص ، يدرُس ، يحفظ ، يؤلِّف إلى أن يغدو أحد أقطاب زمانه ، لكن ليس لديه أيّ استقامة في سلوكه ، أو ليس لديه أيّ عمل صالح ، وليس عنده قلب متألق بحبِّ الله عزَّ وجل ، فلم يعرف جوهر الدين ، وأنّ جوهر الدين الخلقُ العظيم ، لأنه ثمن جنة الله عزَّ وجل إلى أبد الآبدين .

سبب خلقه العظيم لأن همه الله :

قال الإمام الجنيد :

إنما كان خلقه عظيماً لأنه لم يكن له همةٌ سوى الله تعالى

تحليل دقيق ، إذا كانت للإنسان مطامح دنيوية ، مآرب دنيوية ، يتخلق بأخلاق تتناسب مع هذه المطامح، ويقول لك : دبَّرت نفسي ، ألف قلبة ولا غلبة ، إذا كانت مطامح الإنسان دنيوية ، يتخلق بأخلاق تناسب هذه المطامح ، أما إذا كان الإنسان ليس له همةٌ إلا الله سبحانه ، فهذا هو الهمُّ العظيم ، وهذا التوجُّه الكبير له خلقٌ يناسبه ، أمّا الشخص المادي فلا تهمه سمعته ، بل يهمه أن يحصِّل أكبر مبلغ ممكن بأقل جهد ممكن .
إنّ الإنسان الذي همُّه الله ، همه تقريب الناس من الله ، همه الدعوة إلى الله ، همه تحبيب الناس بهذا الدين ، تجد أخلاقه تتناسب مع هذا الهم ، يتواضع لهذا الهدف الكبير ، يتطامن لهذا الهدف السامي ، يرحم الناس لهذا الهدف ، يعفو عنهم لهذا الهدف ، يعطيهم لهذا الهدف ، يبذل من وقته وجهده وماله لهذا الهدف ، صار البذل ، والعطاء ، والكرم ، والرحمة، والتساهل ، والعفو ، والحلم ، أخلاقَ مَن كان همُّه الله .
من كان همُّه الربحَ تجده حريصًا ، يحاسب ، يتشدد ، الذي همه الدعوة إلى الله عزَّ وجل يتخلق بأخلاق تتناسب مع هذا الهم العظيم مِن دون أنْ يشعر ، لذلك فالإمام الجنيد قال :

إنما كان خلقه عظيماً لأنه لم يكن له همةٌ سوى الله تعالى

كان لين مع الناس بسبب رحمته بهم :

قال الله تعالى:

(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)

[سورة آل عمران : من آية 159]

الآيات القرآنية أحياناً لها وجوه عديدة ، فحينما أودع الله في قلب النبي هذه الرحمة ، من نتائج هذه الرحمة اللين مع عباد الله ، الرحمة تساوي اللين ، والقسوة تساوي الغلظة ، الرحمة أساسها الاتصال بالله ، اتصال ، رحمة ، لين ، انقطاع ، قسوة ، فظاظة ،
وهذه الآية قانون : فَبِمَا رَحْمَةٍ بسبب الرحمة التي في قلبك لنت لهم ،
هذه الآية لنا نحن المؤمنين ، كلما حصلت على مزيد رحمة من الله عزَّ وجل لانَ قلبك للناس ، فترحمهم ، وتعفو عنهم ، وتأخذ بيدهم ،و تتجاوز عن أخطائهم ، وتتمنى لهم السعادة ، بسبب هذه الرحمة التي استقرَّت في قلبك عن طريق الاتصال بالله عزَّ وجل لنتَ لهم ، ولو لم تكن في قلبك هذه الرحمة لكنت قاسياً معهم ، فإذا كنت قاسياً معهم نفروا منك ، انفضوا عنك ، آية دقيقة ؛ اتصال ، رحمة ، جذب ، انقطاع، قسوة ، نفور ، إذا أردت أن يجتمع الناس حولك فارحمهم ، تواضع لهم ، تجاوز عن سيِّئاتهم ، خذ بيدهم ، أعطهم ، ابذل لهم من وقتك، من جهدك ، من علمك ، إذا أردت أن ينفض الناس من حولك كن قاسياً معهم ،
هذه الآية قانون : فَبِمَا الباء سببية ، بسبب الرحمة التي استقرت في قلبك لنت لهم ، ولو لم تستقر هذه الرحمة في قلبك لقسوت عليهم ، فإذا قسوت عليهم لكنت ..

(كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ)

هذا معنى أوّل ، أمّا المعنى الثاني : فأنت على أنك نبيٍ ، وعلى أنك مرسل ، وعلى أنت معصوم ، وعلى أنك يوحى إليك ، وعلى أنك مؤيدٌ بالمعجزات ، مع كل هذه الميزات ..

(وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)

فإذا لم يكن الإنسان معصوماً ، ولا يوحى إليه ، وليس مؤيداً بالمعجزات ، ولا هو نبي ولا هو رسول، وكان فظًّا وغليظًا مع الناس ، فهذا الذي جمع كل هذه الصفات ، لكن ينفضّ الناس مِن حوله ، وينبذونه

(وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)

لو لم تكن للإنسان أيّة ميزة ، وكان فظًّا وغليظًا ، فهذا ما أنزل الله به من سلطان .
لكن كان عليه الصلاة والسلام ، ليِّن الجانب ، سهل الخلق ، حسن المعاشرة مع الأهل والأصحاب وسائر الناس ، يعطي جليسه حظاً كبيراً من الانبساط والملاطفة وحسن المقابلة .

أَصْدَقُ النَّاسِ لَهْجَةً وَأَلْيَنُهُمْ عَرِيكَةً وَأَكْرَمُهُمْ عِشْرَةً

عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كَانَ إِذَا وَصَفَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

… أَجْوَدُ النَّاسِ كَفَّا وَأَشْرَحُهُمْ صَدْرًا وَأَصْدَقُ النَّاسِ لَهْجَةً وَأَلْيَنُهُمْ عَرِيكَةً وَأَكْرَمُهُمْ عِشْرَةً مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً هَابَهُ وَمَنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةً أَحَبَّهُ …

أيها الإخوة ؛ أرجوكم ألاَّ تظنوا أن هذا وصفٌ للنبي فقط ، بل هذا هدف لنا جميعاً ، فإذا قرأت أن النبي كان أصدق الناس لهجةً ، يجب عليك ألاّ تكذب أبداً ، لا تقل : عندي أولاد ، وأنا مضطر ، هكذا مصلحتي ، فالله هو الرزاق ، لا تصغر نفسك ، فالصادق كبير موَقَّر ، وأكبر مطبٍّ يقع فيه الإنسان كلما قرأ عن صفات رسول الله يقول : هذا نبي ، من قال لك : إنك لست مأموراً أن تكون على شاكلته ؟

إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين

ما هو جهاد النفس والهوى ؟ التوفيق المستمر دائماً بين أخلاقك ، وأخلاق النبي ، هذا جهاد النفس والهوى ، فكان أجود الناس صدراً ، وأصدقهم لهجةً ، وألينهم عريكةً ، وأكرمهم عشرةً .
قَالَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:

لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا وَكَانَ يَقُولُ إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا

لا يُقابل أحد بما يكره

قالوا : ومن لطفه صلى الله عليه وسلم أنه ما كان يقابل أحداً بما يكره ، هناك أناس تجد عندهم شدّة في مواجهة الناس على أخطائهم ، يقول مثلاً : أنت كاذب ، فهذه ثقيلة ، أما لو قلت : كأن ليس هناك دقة في وصفك ، فهذه كذلك ككلمة كذَّاب ، ولكنها ألطف ، أو تقول : أنا أظن الأمر خلاف ذلك ، ويغلب على ظني أن الأمر خلاف ذلك ، معناها كذاب ، لكنها ملطفة كثيراً ، فالإنسان أحياناً كلما ارتقت نفسه ينتقي أجمل العبارات ،
والله عزَّ وجل قال :

(وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)

[سورة فصلت الآية: 34]

كلمة ” أَحْسَنُ ” اسم تفضيل ، وأنتَ أيها المسلم عليك أنْ تتنقي أجمل العبارات ، ومن لطفه صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن يقابل أحدًا بما يكره .
قَالَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ:

لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَّابًا وَلَا فَحَّاشًا وَلَا لَعَّانًا كَانَ يَقُولُ لِأَحَدِنَا عِنْدَ الْمَعْتِبَةِ مَا لَهُ تَرِبَ جَبِينُهُ

[رواه البخاري]

فالسلف الصالح كانوا يقولون عند معاتبتهم شخصًا : اللهم ارضَ عليه ، فلان أغضبني ، سامَحَه الله ، تجد كلمات أحياناً من امرأة أمية ، لكن ليس عندها كلمة قاسية ، حتى لو أنها عتبت على ابنها ، حتى لو أنها غضبت عليه : الله يسامحه ، الله يبعث له الهناء ، واللهِ الكلام اللطيف جميل ، ” ماله تربت جبينه” ، اللهم صلِّ عليه ،

الكلمة الطيبة :

الحقيقة أن الإنسان بالكلام الطيب تلين له القلوب ، والفرقُ بين الذي يحسن والذي يسيء الكلمةُ الطيبة،
النبي قال:

الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ

[البخاري : عن أبي هريرة]

يمكن ألاّ تشعر بهذه القيمة أمام أندادك ، أحياناً يكون صاحب محل عنده صانعون ، مدير مؤسسة عنده موظفون ، مدير مدرسة عنده مدرسون ، مدير مستشفى عنده ممرضون مثلاً ، لا تعرف قيمة الكلمة الطيبة إلا القمّة ، أحياناً مدير مستشفى رأى ممرضًا أو آذنًا : كيف الصحة يا بني ، إن شاء الله أنت مرتاح؟ يظل شهرًا ذائبة نفسُه ، لم يكلفك شيئًا ، شعر أنك أب له ، فالكلمة الطيبة من معلم لتلميذ ، من طبيب إلى مريض ، من مدير إلى موظف ، من أب إلى ابن، أحياناً يكون عندك خادم ، أو بجوارك إنسان ضعيف ، الكلمة الطيبة لكلٍّ منهما صدقة .
فالكلمة الطيبة صدقة ، والسلام بحرارة تكسب بهما صديقًا مؤمنًا ، فإذًا لا تضنَّ بابتسامة ، ولا بسلام حار ، ولا بمصافحة ، لا بسؤال عن الصحة ، لا بتعزية ، لا بمواساة ، بعيادة مريض ، كلها تنمي العلاقات، وتجعل المسلمين كتلة واحدة ، أخوك مرض يجب أن تزوره ، تزوج يجب أن تهديه هدية ولو كانت بسيطة ،لكن لها اعتبارها ، فيها معنى المودة ، تهادوا تحابُّوا .
على ذكر الكلمة الطيبة صدقة ، إذا دخلت البيت ، فقل : السلام عليكم ، كان الصحابة إذا سار اثنان منهم معًا ، وفرّقت بينهما شجرة بعد أن يلتقيا مرة ثانية ، يقول أحدُهما للآخر : السلام عليكم ، نكون مع بعضنا ثم ندخل إلى السيارة ، السلام عليكم ، واللهِ شيء جميل ، فمتى دخل بيتَه فليقل : السلام عليكم ، جلس فليقل : بسم الله الرحمن الرحيم ، ثم ليسِّلم ، يقول الشيطان لمَن معه : ليس لكم هنا مبيت ، وإنْ سمَّى صاحبُ البيت قال الشيطانُ : ليس لكم عشاء ، فإنْ لم يسلم قال : أدركتم المبيت ، فإنْ لم يسمِّ قال الشيطانُ : أدركتم العشاء ، فكل الليل خلافات و مشاجرات ، أما لو قال : السلام عليكم لذهب الشيطان مهزومًا مخذولاً، فالكلمة الطيبة صدقة ،

كان عليه الصلاة والسلام أشد الناس لطفاً .

قال أنسٍ رضي الله:

كان عليه الصلاة والسلام أشد الناس لطفاً ، والله ما كان يمتنع في غداةٍ من عبدٍ ولا أمةٍ تأتيه بالماء ، فيغسل وجهه بالماء وذراعيه ، وما سأله سائلٌ قط إلا أصغى إليه ، فلا ينصرف حتى يكون هو الذي ينصرف عنه، وما تناول أحدٌ يده قط ، إلا ناوله إياها ، فلا ينزع صلى الله عليه وسلم يده حتى يكون الرجل هو الذي ينزعها منه

كان إذا صافح لا يسحب يدَه حتى يسحب الذي صافحه يدَه ، وإذا ويُقبِل على محدِّثُه حتى ينصرف عنه محدِّثُه ، هذه خلقه عليه الصلاة و السلام .

قل لي ما الشخصية التي تتمنى أن تكونها أَقُلْ لك من أنت ؟

النبي عليه الصلاة والسلام مهمَّتُه الكبرى في كونُه القدوةَ لنا ، وعلينا دائماً نحن نوازن بين واقعنا وبين هذا النبي العظيم ، بهذا الخلق الكريم ، ونحاول أنْ نقلد ، نحاول أنْ نتقدم ، ونحاول أنْ نوفِّق سلوكنا مع سلوك النبي عليه الصلاة والسلام .حيث أنه في حياة كل واحدٍ منا ثلاث شخصيات ؛ شخصيةٌ يكونها هو ، وشخصيةٌ يكره أن يكونها ، شخصيةٌ يتمنَّى أن يكونها ، قل لي ما الشخصية التي تتمنى أن تكونها أَقُلْ لك من أنت ؟ أحياناً إنسان ينظر إلى تاجر كبير ، مكاتب فخمة ، سيارات ، أجهزة ، صفقات كبيرة ، عنده موظفون كُثُر ، أحلامه تنصب على هذا النموذج ، وقد يكون الإنسان في جامعة ، وفي وظيفة متواضعة يرى أستاذًا ذا كرسي مثلاً ، يداوم ساعتين أو نحوهما ، له مكتب فخم ، والطلاب حوله ، وله مؤلفات ، فهذا هو الشخصية التي يتمنى أن يكونها هذا الشخص مثلها .
أما المؤمن وأقول لكم هذا الكلام بدقة بالغة ، المؤمن لا يتمنى إلا أن يكون على أثر هذا النبي العظيم، وإذا دخل بيته وعمل عملاً ، فليتساءل : يا ترى هل كان النبي يفعل هذا ؟ إذا عَامَلَ أخًا ، يا ترى أهكذا علمنا النبي ؟ دائماً يقيس سلوكه بسلوك النبي ، لأن الشخصية الأولى التي يتمنى أن يكونها المؤمن أن يكون على منهج النبي عليه الصلاة والسلام .

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: السيرة – شمائل الرسول 1995 – الدرس (07-32) : خلقه العظيم – وإنك لعلى خلق عظيم
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1994-11-14

السابق
كرم الرسول صلى الله عليه وسلَّم
التالي
رحمة الرسول صلى الله عليه وسلَّم

اترك تعليقاً