اخلاق النبي

كرم الرسول صلى الله عليه وسلَّم

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الإخوة المؤمنون … نحن مع شمائل النبي صلى الله عليه وسلَّم ، عظيم كرمه صلى الله عليه وسلَّم .
أيها الإخوة الكرام … بادئ ذي بدء المؤمن يبني حياته كلَّها على العطاء ، والكافر يبني حياته كلَّها على الأخذ ، فإذا أردت أن تعرف ما إذا كنت من أهل الدنيا ، أم من أهل الآخرة ، اسأل نفسك هذا السؤال : ما الذي يفرحك ؛ أن تعطي أم أن تأخذ ؟ أُقدِّم لكم مثلاً صارخاً من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم .

كان صلى الله عليه وسلم عندما يُعطي ينسى نفسه:

النبي عليه الصلاة والسلام كان يوزِّع شاةً وكانت معه السيدة عائشة رضي الله عنها ، فلمَّا وزَّعها ، وكادت تنتهي ، يبدو أن السيدة عائشة أرادت أن يبقي لها شيٌ تأكله ،
فعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها:

أَنَّهُمْ ذَبَحُوا شَاةً فَقَالَ: النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا بَقِيَ مِنْهَا قَالَتْ: مَا بَقِيَ مِنْهَا إِلَّا كَتِفُهَا قَالَ: بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا

[الترمذي]

فقبل أن نخوض في موضوع كرمه صلى الله عليه وسلَّم ، ما الذي يسعدك ؛ أن تعطي أم أن تأخذ ؟ ما الذي ترتاح له ، أن تبذل أم أن تغتصب ؟ أهل الإيمان يسعدهم العطاء ، يسعدهم البذل ، تسعدهم المؤاثرة ، وأهل الكفر يسعدهم أن يأخذوا ، وأن يغتصبوا ، وأن يعتدوا ،

كان جوده ابتغاء مرضاة الله فقط ومصارفه لها أشكال مختلفة :

لذلك عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ :

كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ وَأَجْوَدَ النَّاسِ وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَقَهُمْ عَلَى فَرَسٍ وَقَالَ وَجَدْنَاهُ بَحْرًا

[رواه الشيخان]

أحسن الناس ، وأجود الناس ، وأشجع الناس ، هذه الأوصاف الثلاثة هي أمهات الكمالات ، فهو أحسن الناس صورةً ومعنىً ، كان عليه الصلاة والسلام جميل الصورة ، وأخلاقه جميلة ، طيِّبة ، مريحة ، وكان أشجع الناس قلباً ، وهو أجود الناس ، وأنفعهم للناس ، هذا الجود الذي اتصف به النبي صلى الله عليه وسلَّم ، كما قال كتَّاب السيرة :

هو جودٌ لله تعالى ، وجودٌ في الله تعالى ، وجودٌ ابتغاء مرضاة تعالى

هو في الله ، ولله ، وابتغاء مرضاة الله عزَّ وجل ، لذلك كانت مصارف جوده كلها في طاعة الله ـ أحياناً الإنسان ينفق المال لا في طاعة الله ، بل ينفق سخاءً و رياءً فهو سخاءٌ على عملٍ يرفعه عند الناس ـ لكن كانت مصارف جوده صلى الله عليه وسلَّم في الإنفاق على الفقراء والمساكين ، والإنفاق في سبيل الله وفي الجهاد ، وفي تأليف قلوب المؤلَّفة قلوبهم تمكيناً لهم وللمؤمنين ، إذاً تارةً ينفق في سبيل الله وتارةً ينفق إطعاماً للفقراء والمساكين ، وتارةً ينفق تأليفاً لقلوب ضعاف الإيمان.

كان صلى الله عليه وسلم يُعطي عطاء من الا يخشى الفاقة وكان لا يمل من أن يُسأل:

عَنْ أَنَسٍ قَالَ :

مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْإِسْلَامِ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ قَالَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً لَا يَخْشَى الْفَاقَةَ

دائماً يعطي ، لأنه كان يسعده السؤال .

لا تسألنَّ بُنيَّ آدم حاجــةً***وسل الذي أبوابه لا تُحجَبُ
الله يغضب إن تركت سؤاله***وبُنَيُّ آدم حين يُسأل يغضبُ

أحياناً الإنسان يتضَجّر ، فمجرد سؤالين أو ثلاثة ، طلبين أو ثلاثة يتضجر ، و لو تزاحمت عليه الأسئلة لَخرج عن طوره ، لكن النبي صلى الله عليه وسلَّم كان يسعده السؤال ، هذه أخلاق النبي ، لذلك فالمؤمن صدره واسع ، يطرق الناس بابه صباحاً ، ومساءً ، وظهراً ، وفي القيلولة ، وقبل الفجر ، وبعد الفجر ، وفي ساعةٍ متأخرة من الليل يطلبون منه حاجاتهم ؛ قضايا ، وساطة ، معاونة .
المؤمن الكامل يتسع صدره لكل هؤلاء ، المؤمن الكامل لا يَتَضجر ، و لا يتأفَّف ، لأن هذا الذي يطرق بابه إنما هو ضيفٌ ساقه الله إليه ، والله سبحانه وتعالى ينظر ماذا تفعل ، كيف تردَّه ؟ فالإنسان إذا طُرق بابه أو التجأ إليه أحد ، فالله عزَّ وجل بهذا يمتحنه ، والذي أرسله هو الله عزَّ وجل ، إذا كنت مَرْضيّاً عند الله عزَّ وجل ، وكنت قريباً منه ، تشعر أن الله أرسله إليك، أن الله دلَّه عليك ، أن الله سبحانه وتعالى جعله يأتيك لترقى إليه ، ولو تأفَّفت لصرفه إلى غيرك، لذلك هؤلاء الذين اختصَّهم الله بالنعم يُقِرُّهم الله عليها ما بذلوها ، وإذا منعوها صرفها إلى غيرهم، أحياناً يكون إنسان دخله جيد ، له إخوة بنات ، له أقرباء كلُّهم يطمعون به ، ما في مانع، بارك الله به ، فهو مظنة صلاح ، ومظنة كرم فلا يأس ، ولا حرج ، أختك طلبت منك ، أخوك طلب منك ساعدهما ، أختك الثانية ابنها يحتاج إلى عمليَّة فقالت لك : والله ما لنا غيرك يا أخي ، لا تضجر ، لأن الله عزَّ وجل قادر على أن يجعلك تقف على أبوابه .
إخواننا الكرام … و قد تجدون إنساناً لضعف إيمانه يفهم الأمور معكوسة ، إذا كان ضعيف الإيمان وأنفق ، يقول لك : يا أخي أنا أعطيتهم، وأنا أعطي من مالي ، أما إذا كان إيمانه قوياً يرى أن الله سبحانه وتعالى فضَّله ، وكرَّمه ، ومكَّنه من أن يعطي فيحمد الله على ذلك ، فقد كان من الممكن أن يكون ممن يُعْطَى ، فقيراً محتاجاً . أي أنك إذا أعطيت ، و إذا كانت يدك هي العُليا ، فاحمد الله كثيراً . إذ لم تكن يدك هي السفلى ..
قال الله تعالى:

(وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ)

[سورة إبراهيم]

فالنقطة الدقيقة إذا كنت قد أعطيت يجب أن تذوب شكراً لله عزَّ وجل على أن مكَّنك من أن تعطي .
عن أَنَسٍ قَالَ :

مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْإِسْلَامِ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ قَالَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً لَا يَخْشَى الْفَاقَةَ

وأنا أذكر رجلاً كان يركب سيارة فاخرة جداً بين مدينتين ، رأى إنساناً يركب دراجة ، وقد قُطع جنزيرها ، فهو مقطوعٌ في قارعة الطريق ، هذا الرجل الذي يركب سيارة فارهة مؤمن، أوقف مركبته على يمين الطريق، ونزل وأعان هذا الإنسان على إصلاح دراجته لأنه يعرف كيف يصلحها ، أصلحها له ، وجعله ينطلق إلى هدفه ، فالمؤمن خُلُقه العطاء والتواضع .
العمل الصالح يلفت النظر ، العمل الصالح ؛ الإحسان ، العطاء ، الكرم يملك القلب ، وأنت لن تكون مؤمناً حقا إلا إذا كان لك نصيب من هذه الأخلاق.
فصفوان بن أمية أعطاه النبي غنماً بين جبلين ، فرجع إلى قومه فقال :

يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً لَا يَخْشَى الْفَاقَةَ

والنبي عليه الصلاة والسلام امتُحِن مرَّتين ؛
امتحن مرَّة بالفقر
فعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ :

قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ :يَا عَائِشَةُ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ قَالَ فَإِنِّي صَائِمٌ قَالَتْ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ قَالَتْ فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ وَقَدْ خَبَأْتُ لَكَ شَيْئًا قَالَ مَا هُوَ قُلْتُ حَيْسٌ قَالَ هَاتِيهِ فَجِئْتُ بِهِ فَأَكَلَ ثُمَّ قَالَ قَدْ كُنْتُ أَصْبَحْتُ صَائِمًا

[مسلم]

وامتحن مرَّةً بالغنى
فلمَّا سأله أحدهم : لمن هذا الغنم ؟
قال :

هو لك

قال : أتهزأ بي ؟
قال :

لا والله هو لك

قال : أشهد أنك رسول الله تعطي عطاء من لا يخشى الفقر
إخواننا الكرام … أحد أسباب كرم المؤمن يقينه القاطع أن كل شيءٍ ينفقه يخلفه الله عليه.
قال الله تعالى في القرآن الكريم:

(وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)

[سورة سبأ : من آية 39]

اليقين القاطع بأن الذي تنفقه يأتيك عشرة أضعاف ، هذا الذي يجعلك تُعطي ، هناك أشخاص العطاء المادي يملك قلوبهم ، وظِّف المال في خدمة الخلق ، أهِن المال من أجل الحق ، لا تجعل المال يأسرك ، كن أنت سيده و آسره .

كان عطائه بلا حدود مقابل أن يكسب محبة الإنسان:

قال :

وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يوم حنينٍ أناساً من الطُلَقاء ليتألَّف قلوبهم على الإسلام ، أعطاهم عشرة آلاف من الإبل وكان من جملة من أعطى مالك بن عوف فامتدحه بقصيدة

أحياناً يكون عندك صانع ، وأنت ميسور، و يتقاضى أجارته وهذا صحيح ، له بالشهر خمسة آلاف ، و بعد حين أراد أن يتزوج ، فأعطه في هذا الشهر خمسة وعشرين ألفاً، عليه نفقات باهظة ؛ غرفة نوم ، وغرفة ضيوف ، وصيغة ، ومَهر . يا أخي ليس له عندي أي حق، و أنا أعطيته كل حقه . إعطاؤه حقه ، هذا العدل ، و لكن أين الإحسان ؟ .
قال الله تعالى:

(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ)

[سورة النحل : من آية 90]

ألا تريد أن يميل قلبه لك ؟ ألا تريد أن يميل قلب هذا الموظف لمديره ؟ بالبر يستعبد الحر ، فأنا لا أفهم الدين مجرد كلام ، إذا فهمنا : ” الدين كلام ويظل كلاما” ، فالصحابة الكرام ما رأوه كلاماً بل رأوه بذلاً ، لا تستصغر معروفاً ، لعلَّ هذا المعروف يكون سبب سعادة أسرة ، فالدين ليس قضية حكي ، فالكلام قد ملَّ منه كل الناس ، نقولها بصراحة ، وشبعوا منه ، فهناك حكي يملأ الأرض، الناس يريدون فعلاً ، يريدون مسلماً ، لا يريدون من يحدِّثهم عن الإسلام بل يريدون مسلماً حقاً ، يريدون مسلماً يبذل ، مسلماً ملتزماً ، مسلماً مطبِّقاً ، مسلماً محباً ، مسلماً صادقاً ، مسلماً أميناً ، مسلماً وفياً ، مسلماً كما أمره الإسلام هذا الذي يؤثِّر في الناس .
عن سعيد بن المسيِّب عن صفوان بن أمية أنه قال :

لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ما أعطاني ، وإنه لأبغض الناس إلي ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي

الإنسان عبد الإحسان ، أنت إذا أردت أن تكون مسلماً حقاً لا تحكِ كثيراً بل افعل كثيراً ، اخدم جميع الناس، حل مشاكلهم ، أعطهم ، عاونهم ، ساعدهم ، الصحابة الكرام كان أحدهم يرى أنه ما له حق من الدنيا إلا بحاجاته الأساسيَّة ، وما سوى ذلك فبإمكانه أن يحل آلاف المشكلات ، فهل من المعقول عُرس يكلِّف عشرين مليوناً ، و تجد عشرين ألف شاب لا يجدون غرفة يسكنون فيها ، أمعقول هذا ؟! فبملك أيها المؤمن تستطيع أن تمسح الدموع عن آلاف الأسر ، المال يجب أن تبذله في الحق ، أن توظِّفه في الحق :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أنفق بلالاً ولا تخش من ذي العرش إقلالاً

[من أحاديث الإحياء : عن أبي هريرة]

الإنفاق لا يعني المال فقط :

قد يقول أحدكم : أنا لست غنياً ، إذاً استمعوا لهذا الحديث الثاني :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم

[من شرح الجامع الصغير]

ألا تستطيع أن تكون باش الوجه ، ليِّن الجانب ، لين العريكة متواضعاً ؟ ألا تستطيع أن تعاون إنساناً بجهدك، بخبرتك ؟ هذا الوقت كله صدقة ، ليس شرطاً أن تكون الصدقة مالاً ، تصدَّقت بوقتك ، بخبرتك ، أحياناً بجاهك.
لا تنسوا إخواننا الكرام أن سيدنا ابن عبَّاس ابن عم رسول الله كان معتكفاً في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام ، جاءه رجل يشكو ديناً ركبه، قال له : من صاحب الدين ؟ قال : فلان . قال : أتحب أن أكلِّمه لك؟ قال : إذا شئت ، قام سيدنا ابن عباس المعتكف ، نسي اعتكافه ، فقال له واحد فضولي : أنسيت أنك معتكف ؟ قال له : لا ولكني سمعت صاحب هذا القبر والعهد به قريب .. يقول :

لأن أمشي مع أخٍ في حاجته خيرٌ لي من صيام شهرٍ واعتكافه في مسجدي هذا

عندما نفهم الدين خدمة ، وبذلاً ، وتضحية ، ومؤاثرة ، فالله يحبنا جميعاً ؛ وإذا فهمنا الدين شعائر ، عبادات نؤديها جوفاء نزهو بها عندئذٍ لا يرضى الله علينا ، فالحياة تعاون ،
الله قال :

(وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)

[سورة المائدة : من آية 2]

فالمؤمن إخواننا الكرام مجنَّد في خدمة الحق ، مستعد ليبذل وقته ، وماله ، وإمكاناته ، وخبراته ، وعضلاته ، ووجاهته ، ومكانته ، وقلمه ، ولسانه ، في سبيل هداية الخلق ، وهذا الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلَّم .

كان صلى الله عليه وسلم لا يدخر شيء عن أصحابه:

وقد ورد أن صفوان طاف معه صلى الله عليه وسلَّم يتصفَّح الغنائم يوم حنين ، إذ مرَّ بشعبٍ مملوءٍ إبلاً وغنماً فأعجبه ، فجعل ينظر إليه ، فقال عليه الصلاة والسلام :

أعجبك هذا الشعب يا أبا وهب؟

قال : نعم
قال :

هو لك بما فيه

فقال صفوان :

أشهد أنك رسول الله ما طابت بهذا نفس أحدٍ قط إلا نفس نبي

وكان عليه الصلاة والسلام من أجود الناس ،
فَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ :

مَا سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ قَطُّ فَقَالَ لَا

[متفق عليه]

وروى أن النبي صلى الله عليه وسلَّم :

حُمِل إليه تسعون ألف درهم ، ووضِعت على حصيرٍ ثم قام إليها يقسمها ، فما ردَّ سائلاً حتى فرغ منها

وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ :

أَنَّ نَاسًا مِنْ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ :مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ

[متفق عليه]

إذا تعفَّفت يعفَّك الله ، إذا استغنيت يغنِك الله ، إذا تصبَّرت يصبِّرك الله ، و هنا أشعر أننا انتهينا إلى الطرف الثاني ـ الطرف الآخذ ـ
قال :

احتجْ إلى الرجل تكن أسيره ، واستغنِ عنه تكن نظيره ، وأحسن إليه تكن أميره

وإذا أحب شخص أن يتعفَّف فالله يعفَّه ، أي يغنيه من فضله ، و إذا أحب أن يتصبَّر ، فالله يصبِّره ، و إذا أحب أن يستغني ، فالله يغنيه ، كذلك شخص أخذ ، ما في مانع ، فالأخذ مقبول .

كان صلى الله عليه وسلم يكرِّم السائل بنفسه:

وكان عليه الصلاة والسلام كريم النفس ، يكرِّم السائل بنفسه ـ خذوا أعطوه ـ كان عليه الصلاة والسلام ينهض، ويتوجَّه نحو الفقير ، ويعطيه بيده ، هذا تكريم للفقير ، لا يكفي أن تعطيه ، و تكون آمراً الطرف الآخر أن يعطيه: أعطوا ، أعطوا ، بل بنفسك أعط ، بيدك أعط، تحرَّك إلى الفقير ، كان عليه الصلاة والسلام يُكْرِم السائل بنفسه ، ولا يأنف أن يقوم إلى السائل فيعطيه الصدقة ، بل كان لا يَكِلُ صدقته إلى غير نفسه حتى يكون ، فهو الذي يضعها في يد السائل ، معنى ذلك أن إنفاق المال بيدك فضيلة .
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ :

كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَكِلُ طُهُورَهُ إِلَى أَحَدٍ وَلَا صَدَقَتَهُ الَّتِي يَتَصَدَّقُ بِهَا يَكُونُ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّاهَا بِنَفْسِهِ

فإذا جلس الإنسان مع فقير ، و تناول معه الطعام فهذا تواضع من جهة و جبر لخاطر الفقير من جهة أخرى، حدَّثني أخ ، يوم أن كان شاباً صغيراً يعمل في معمل ، لرجل صالح ، هذا الشاب فقير ، ويتيم ، ولا يملك من الدنيا شيئاً ، قال لي : تعطيني والدتي بطاطا مسلوقة ، ورغيف خبز بمحرمة ، كان صاحب المعمل كل يوم يجلس مع عاملين أو ثلاثة، يا ابني أين أكلك ؟ تعال لِتأكل معي ؟ قال له : آكل معك شرط أن تأكل معي ، يضع البطاطا المسلوقة ، والثاني يحضر طعاماً نفيساً ، يأكل كل يوم مع عاملين أو ثلاثة لتأليف قلوبهم، يكرمه ، عيديَّة، و بمبلغ إضافي ، والإنسان يسعد بالعطاء ، أنا أحياناً أغبط أصحاب المعامل ، عندك اثنا عشر عاملاً هؤلاء زادك إلى الله ، ممكن أن تصل للجنة عن طريقهم ، اخدمهم ، اعتنِ بهم ، تفقَّد أحوالهم ، كيف أوضاعهم في البيوت ؟ يا ترى أهم متزوجون ؟ أم غير متزوجين ؟ جاءهم أولاد ، أعنده حالة ولادة ؟ من الممكن لِلْإنسان أن يصل إلى الجنة عن طريق عُمَّاله ، للجنة عن طريق موظفيه ، للجنة عن طريق أولاده ، عن طريق جيرانه ، عن طريق أصحابه .
سيدنا الصديق وما أدراكم ما الصديق ، ما طلعت شمسٌ على رجلٍ بعد نبيٍ أفضل من أبي بكر ، ومع ذلك كان يحلب الشياه لجيرانه بنفسه ، خدمة لهم ، فلما صار خليفة ، أمعقول ؟ بعد أن أصبح خليفة المسلمين يحلب الشاة للجيران ، طُرق باب أحد جيرانه في صبيحة اليوم التالي لتسلُّمه الخلافة ، قالت الأم لابنتها : يا بنيتي افتحي الباب . ثم قالت : من الطارق يا بنيتي ؟ قالت : جاء حالب الشاة يا أُماه ، ما استأنف ، ما استنكفت نفسه ، ما ترفَّعت نفسه عن حلب الشاة لجيرانه !! أنت تبقى عظيماً جداً إذا خدمت الناس . قالت : يا أمي جاء حالب الشاة . سيدنا الصديق ذهب ليحلب شياه جيرانه المساكين الفقراء .

كان صلى الله عليه وسلم يقترض المال حتى لا يرد سائلاً :

عن أبي ربيعة قال :

خصلتان كان عليه الصلاة والسلام لا يكلهما لأحد ؛ الوضوء من الليل حين يقوم ، والسائل يقوم صلى الله عليه وسلَّم حتى يعطيه بنفسه

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْهَوْزَنِيِّ قَالَ لَقِيتُ بِلَالًا مُؤَذِّنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَلَبَ فَقُلْتُ يَا بِلَالُ حَدِّثْنِي كَيْفَ كَانَتْ نَفَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

مَا كَانَ لَهُ شَيْءٌ كُنْتُ أَنَا الَّذِي أَلِي ذَلِكَ مِنْهُ ـ أي أنا المتولي أمر مال رسول الله ـ مُنْذُ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ وَكَانَ إِذَا أَتَاهُ ْإِنْسَانُ فَرَآهُ عَارِيًا يَأْمُرُنِي فَأَنْطَلِقُ فَأَسْتَقْرِضُ فَأَشْتَرِي لَهُ الْبُرْدَةَ فَأَكْسُوهُ وَأُطْعِمُهُ …

كان النبي يقترض ليكسو إنساناً عارياً ، أجل يقترض ، والله أنا أعرف بعض المؤمنين جزاهم الله خيراً ، لشدة حرصهم على العطاء ، إن لم يكن معهم ، وحدث أمر ضروري جداً فإنه يقترض ويعطي .
عن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه ، أن رجلاً أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلَّم فسأله أن يعطيه ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام :

ما عندي شيء ولكن ابْتَعْ عليّ ـ دين علي ـ فإذا جاءني شيءٌ قضيته

قال عمر:

يا رسول الله قد أعطيته فما كلَّفك الله ما لا تقدر عليه

فالله ما كلَّفك أن تقترض وتعطي ، فكره النبي صلى الله عليه وسلَّم قول عمر ـ تضايق منه ـ فقال له رجل من الأنصار : يا رسول الله أنفق ولا تخشَ من ذي العرش إقلالاً، فتبسَّم النبي صلى الله عليه وسلم ، وعُرف في وجهه البشر لقول الأنصاري ، ثم قال :

بهذا أُمرت

كان صلى الله عليه وسلم أجود الناس وأجود ما يكون في رمضان :

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ :

كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ

[متفق عليه]

لذلك ، يتضح مما سبق أن النبي صلى الله عليه وسلَّم لا يُجَارى في كرمه ، ولا يُساوى بل ولا يدانى ، ولقد بلغ من كرمه صلى الله عليه وسلَّم أنه كان ينفق المال مرةً للفقير والمحتاج، ومرةً في سبيل الله والجهاد ، وتارةً يتألَّف به فيعطي عطاءً تعجز الملوك عنه ، حتى لا يبقى عنده قوت ليلة ، فيطوي جائعاً.
انظروا إخواننا الكرام

مهما تمتعت بالحياة ، هذه المتع كلها تُنسى ، وتبقى التبعات ، ومهما تعبت في الحياة هذه المتاعب تنسى ، ويبقى الأجر والثواب من الله عزَّ وجل

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: السيرة – شمائل الرسول 1995 – الدرس (13-32) : كرمه – شجاعته
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1995-01-02

السابق
ملاطفة الرسول صلى الله عليه وسلَّم للصبيان وملاعبته لهم
التالي
خُلق النبي العظيم صلى الله عليه وسلم

اترك تعليقاً