ما هو الزنا

الحلال والحرام

مع تعدُّد الدِّياناتِ وتعاقُبِها ومرورِ الرُّسلِ واستخلافِهم كانت تَظهرُ مجموعةٌ من القوانينِ والتَّعليماتِ النَّاظمةِ لحياةِ النَّاس والمُرشدةِ لهم، لتمثِّلَ دساتيرَ إلهيَّة تدلُّ الناس إلى ربِّهم، وتُعلِّمهم كيف يعبدونه ويلتزمون أوامره ويقيمون حدوده، وفي مجمَلِ هذه الدَّساتير تشريعاتٌ تُحلُّ أموراً مما استمرأها النَّاس واستحلُّوها ووجدوا فيها الخير، وتُحرِّمُ الخبيث والفسقَ وما يسوق الظلم والجور والاختلافات والغبن والفساد، ذلك أنَّ الله ما كانَ ليشرعَ للنَّاسِ حلالاً فيهِ خبثٌ ولا يُحرِّمَ عليهم طاهراً أو أمراً طيِّباً، وكانَ ذلكَ مما اتَّصَفَ به ربُّ العزَّةِ جلَّ وعلا، ففي الحديث الشَّريفِ: (يا أيُّها الناسُ إنَّ اللهَ طيِّبٌ ولا يقبلُ إلا طيبًا وإنَّ اللهَ أَمَرَ المؤمنين بما أَمَرَ به المرسلينَ).[١] وكانَ مما أجمعت الدِّيانات على تحريمه ومُعاقبة مرتكبه فاحشة الزِّنا التي تورِّث المجتمع آفاتٍ وبلايا وأمراض ماديّة جسديّة ومعنوية أخلاقيَّة[٢][٣].

الزنا

يُفيدُ مصطلح الزِّنا في اللغةِ عدَّة معانٍ منها الضِّيقُ والارتفاع؛ فيقالُ زنأ في الجبل إذا صعده وارتفع فيه، أما معنى الزِّنا في اصطلاح الشَّريعة والفقهاءِ فمتعلِّقٌ بفعلٍ يجتَمِع عليهِ آدميانِ رجلٌ وامرأةٌ بغيرِ شبهةِ زواجٍ أو عقدٍ صحيحٍ فيلتقي الختانانِ ب إيلاج الفرج بالفرجِ.

يجتَمِعُ جمهورُ العلماءِ على تعريفهِ بأنَّهُ وطء المرأةِ من القُبُلِ شرط تغييب الحَشَفة دون شبهة استحلالٍ كالزَّواجِ المبيح للاستمتاع أو ملكِ اليمين أو غيرها ممّا يؤذنُ فيه للرجل إتيانُ المرأة، واستثني من التَّعريفِ إتيان المرأة من دبرها لاختلافِ الفعلِ والحدِّ مع تحريم كلا الفعلين، وفي الآيةِ الكريمةِ (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً )[٤]نهيٌ عن الفعلِ وتقبيحٌ.[٥][٦][٧]

الزِّنا المجازيّ

يشتمل تعريف الزِّنا على مُقدِّماتِه ومُقوِّماتِه من إطلاقِ النَّظر أو استماع المُحرَّمِ أو طلب الحرامِ أو لمس جَسدِ المرأةِ وتقبيلها وإتيانها في فمها وغير ذلك مما يتضمَّنُ مُخالطةَ الأجنبيَّةِ والخلوةُ بها بصورةٍ غير شرعيَّةٍ، ودليل ذلك (حديثُ رسولِ اللهِ عليه الصَّلاة والسَّلام: كتب على ابنِ آدمَ حظُّه من الزنا فهو مدركٌ ذلك لا محالةَ، فالعينانِ تزنيانِ وزناهما النظرُ، والأذنانِ تزنيانِ وزناهما السمعُ، واليدان تزنيان وزناهُما البطشُ، والرِّجلانِ تزنيانِ وزناهُما المشيُ، والقلبُ يتمنى ويشتهي، والفرجُ يصدقُ ذلك أو يكذبُه)[٨][٩]

لا يشتمِلُّ الحدُّ على غير الزِّنا الحقيقي المشروط بإيلاجٍ وتغييبٍ للحشفة أو جزءٍ منها داخل القُبُلِ ولو كانَ ذلِكِ بوجودِ ساترٍ كاللِّباسِ فإنَّهُ يوجِبُ الحدَّ، أمَّا ما يَتمتَّعُ فيهِ الرَّجلُ بامرأةٍ أجنبيَّةٍ لا تحلِّ له من غير إيلاجٍ فإنَّهُ من الزِّنا الظَّاهِر أو المجازيّ الذي لا يوجبُ الحدَّ ويقتضي التَّوبة كونه لم يستوف شرط الإيلاج، والعلَّةُ في ذلك أنَّ حدَّ الزِّنا معنيٌّ بموضِعِ الحرثِ حفظاً للأنسابِ ودرءاً لاختلاطها وانتشار المفاسدِ الناتجة عنها، ويحسن وصف هذه الأعمال بأنَّها من اللَّممِ، وهو ما يأتيهِ المرءُ من الفواحِشِ دونَ الزِّنا الموجبِ للحدِّ لما جاء في شرح ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما في تفسيرها.[١٠][١١][١٢]

شروط تحقق الزِّنا

كفِلَ الإسلامُ إقامةَ العَدلِ لجميعِ النَّاسِ حتَّى الظالم منهم، ولم يجعل إنفاذ الحدود وتطبيق العقوباتِ غايةً لذاتِه؛ بل جعلها تربيةً للنَّفس وتهذيباً للمجتمع ودرءًا للفتن والمفاسِد المُترتِّبةِ على استباحة الحرام والتعدِّي على حدود الله، ومع تصنيفِ الإسلام للفاحشةِ المصطلحِ عليها بالزِّنا كان لزاماً تبيان الوجه الصريحِ لحدوثِ الحالة وتحقُّقها خروجاً من دوائر الوهم والتَّشكيك، فغلَّظَ العقوباتِ على القذفِ بالزِّنا وسَتَر الفعلَ ولو صريحاً ما لم يشهد عليه أربعة من العدولِ الثِّقات، وقد بيَّن الإسلام أن للزِّنا شروطاً لا يتحقُّق إلا بها:

  • تعمُّدُ الزِّنا بالإيلاج مع العلم بحرمته، وينبغي لتحّققِ العمدِ بالشيء وقصدِه حضورِ عنصرين هما العلم بحاله وحلاله أو حرامه وعقوبته وحدوده وصوره، ثم إرادة الفعلِ والنيَّةُ في تحقيقه والسَّعي في طلبه، وحالَ اجتماع العنصرين تكتمل أركان الشرط الأول.
  • وطء القُبُلِ تحديداً بإدخالِ حشفةِ الذَّكرِ أو مثلها في فرج الأنثى.[١٣]

إذا اجتمعَ الشَّرطانِ معاً تحقَّقَ الزِّنا وأوجب الحدّ، وإن انتقض أحدهما فلا يوجب الحدَّ كأن يطأ الرَّجل امرأةً أجنبيَّةً ظنَّها زوجته أو العكس، ففي مثل هذه الحالات لا يتحقَّق الزِّنا لغياب الشَّرطِ الأوَّل المبنيِّ على الإرادة، أو كأن يقصد الرَّجل وطأ أجنبيَّةٍ ثم يعودُ بالمداعبةِ دون الإيلاج مهما بَلغت فلا يتحقّق الزِّنا لانتقاضِ الشَّرط الثاني.

عقوبة الزِّنا

ميَّزت الشريعة الاسلاميةُ عقوبة الزَّاني تبعاً لحاله إن كانَ بكراً أو ثيِّباً مُحصناً، وحكَمت بالتَّشديدِ على المحصَّنِ فقضى عليهِ الشَّرعُ بالرَّجم ذكراً كان أو أنثى، ويكون الرَّجمُ بالرَّمي بالحجارةِ حتَّى الموت، يسبقها عند بعض الأئمة جلده، أما البِكرُ فله الجلدُ ذكراً كان أو أنثى، ويُجلَدُ البِكرُ مائة جلدةٍ ردعاً وتعزيراً من غير كسرٍ ولا إحداثِ علَّة، ويزيدُ بعضُ الأئمَّةِ فيها تغريبُ عامٍ للذَّكرِ عن مُستقرِّهِ أو قريتهِ، فيما تُغرَّبُ الأنثى مسيرة ليلةٍ خارجَ بيتِها.

أورَد القرآنُ عقوبةَ الزِّنا في غير موضعٍ من آياته، منها: (قول الله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ)[١٤]وكانت هذه الآيةُ ناسخةً لآيةِ عقوبتي الحبسِ والإيذاء اللتين سبقتاها في سورة النِّساء، فيما تُعاقَبُ المملوكةُ بنفس حدِّ الحرَّةِ تحقيقاً لما ورد في سورة النِّساء في حدِّ الأمة، (قال تعالى: فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ)