ملاطفة الرسول صلى الله عليه وسلَّم للصبيان وملاعبته لهم

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الإخوة المؤمنون … مع شمائل النبي صلى الله عليه وسلَّم ، ملاطفته صلى الله عليه وسلَّم للصبيان ، وملاعبته لهم. فليس عجباً أن تكون هناك علاقةٌ بين عظمة الإنسان وبين لطفه وإيناسه للضعفاء والصغار.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ :

كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُفُّ عَبْدَ اللَّهِ وَعُبَيْدَ اللَّهِ وَكَثِيرًا مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ ـ أي يصف الصبيان على نَسق ـ ثُمَّ يَقُولُ مَنْ سَبَقَ إِلَيَّ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا قَالَ فَيَسْتَبِقُونَ إِلَيْهِ فَيَقَعُونَ عَلَى ظَهْرِهِ وَصَدْرِهِ فَيُقَبِّلُهُمْ وَيَلْزَمُهُمْ

على عظمة النبي ، وعلى علو مكانته كان ينفق وقتاً في ملاعبة الصبيان
عن أنسٍ رضي الله عنه قال :

أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزور الأنصار ويسلم على صبيانهم ويمسح رءوسهم

هناك من يتوهَّم أنك إذا زرت عامة الناس قلَّت قيمتك ، الأمر عكس ذلك ، إذا زرت علية القوم كان هذا من الدنيا ،
لقول الله عزَّ وجل :

(وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)

[سورة الكهف : من آية 28]

إذا زار الإنسان الأقوياء والأغنياء ، وأكل من الطعام ما لذَّ وطاب ، واستمع إلى أحاديثهم، وشعر أنه قريبٌ منهم هذا من الدنيا ، لكنك إذا زرت الضعاف الفقراء ، وملأت قلوبهم فرحاً هذا من العمل الصالح ،
فعَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ قَالَ :

لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ جَعَلَ أَهْلُ مَكَّةَ يَأْتُونَهُ بِصِبْيَانِهِمْ فَيَمْسَحُ عَلَى رُءُوسِهِمْ وَيَدْعُو لَهُمْ فَجِيءَ بِي إِلَيْهِ وَإِنِّي مُطَيَّبٌ بِالْخَلُوقِ وَلَمْ يَمْسَحْ عَلَى رَأْسِي وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا أَنَّ أُمِّي خَلَّقَتْنِي بِالْخَلُوقِ فَلَمْ يَمَسَّنِي مِنْ أَجْلِ الْخَلُوقِ

[أحمد]

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :

رأيت بعينيَّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أخذ بيديه جميعاً ، بكفي الحسن أو الحسين ـ أمسكه من كفيه ـ وقدميه على قدم رسول الله ـ جعل قدمي الحسن أو الحسين على قدمي رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ـ ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ارق ـ أي اصعد ـ قال : فرقي الغلام حتى وضع قدميه على صدر رسول الله ، ثم قبَّله النبي عليه الصلاة والسلام وقال: اللهمَّ أحبّه فإني أحبه

إخواننا الكرام … أقول لكم هذه الحقيقة : الأب المسلم ، المؤمن ، الصادق إذا دخل إلى البيت يكون عند أولاده عيد ، العيد بدخوله لا بخروجه ، الأب الظالم ، القاسي ، البخيل العيد عند خروجه ، إذا خرج من البيت تنفَّس أولاده الصُعَدَاء ، إذا سافر كانوا أسعد الناس ، أما المؤمن فوجوده في البيت مُسعد .
فكرة أخرى نحتاجها : الأب المؤمن لا ينتظر أولاده وفاته ، لكن الأب البخيل القاسي ينتظر أولاده وفاته بفارغ الصبر ، بل إنه من المُفارقات أنه إذا أصابه مرض وجيِء بالطبيب ، وسُئل الطبيب عن صحة أبيهم ، فإذا قال الطبيب : حالته جيدة ، ليس ثمة خطر ، تجدهم يتألَّمون ، هم لا يريدون هذا ، فأنت كأب بيدك أن تجعل وجودك مٌسعداً في البيت ؛ بلطفك ، وإيناسك ، وحلمك ، وصبرك ، ورقَّة كلامك ، وإنفاقك ، واللهُ الرزَّاق، ما من إنسان ينفق نفقة على أهل بيته ، وعلى أولاده بنيّة التقرُّب إلى الله ، و بنية تأليف القلوب ، و بنية تمتين العلاقات إلا ويعوضها الله عليه .
وعن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال :

كان رسول الله صلى الله عليه وسلَّم إذا قَدِم من سفرٍ تلقي بالصبيان من أهل بيته ، وإنه قدم مرَّةً من سفره فسبق بي إليه ، فحملني بين يديه، ثم جيْءَ بأحد ابني فاطمة رضي الله عنها إما الحسن وإما الحسين فأردفه خلفه ، فدخلنا المدينة ثلاثةً على دابَّة

النبي إذا كان في أهله فهو واحدٌ منهم ؛ تواضع ، إيناس ، لطف ، قُرب ، مداعبة ، مباسطة ، هكذا كان النبي .
أيها الإخوة … وما الغاية من تقرير هذه الحقائق ، وإيراد هذه النصوص إلا أن تترجم في حياتكم البيتية، كل واحد منكم بإمكانه أن يجعل بيته قطعةً من الجنَّة إذا قلَّد النبي فقط تقليداً ، فقلِّدْ النبي يكن بيتك قطعةً من الجنة ، ادخل سلِّم ، ابتسم ، صافح ، قبِّل أولادك واحداً وَاحداً ، احملهم إذا كانوا صغاراً ، اسألهم عن أحوالهم ، أطعمهم بيدك ، فالإنسان عبد الإحسان .
أن النبي صلى الله عليه وسلَّم إذا قُدِّمت له فاكهةٌ لأول مرَّة ـ في موسمها ـ كان يقبِّلها شكراً لله عزَّ وجل، وكان يعطيها لأصغر طفلٍ في المجلس ، لأن الطفل يحب الفاكهة ولا يعرف أنها غالية الثمن ، يريد أن يأكل هذه الفاكهة ، فالنبي عليه الصلاة والسلام كانت إذا قدمت له فاكهةٌ لأول مرَّة في موسمها قبَّلها وقدَّمها لأصغر صبي .
ويا أيها الإخوة الكرام … أحياناً يكون بين أولادك طفل أجمل من إخوته ، وقد يكون أذكى، وقد يكون أشد حكمة من إخوته ، هل تظن أن بطولتك أن تأخذ هذا الطفل الجميل ، أو هذا الطفل الذكي فتحمله وتقبِّله؟ لا والله ، البطولة أن تعامل الجميع كما تعامل هذا ، هذه تحتاج إلى إرادة ، فأحياناً الأب ينسى ، و يهتم بواحد أو باثنين ، فتكون محبته ، وملاطفته ، وإكرامه ، وعطاؤه لواحد أو لاثنين ، لأنه قد يكون أذكى ، أو قد يكون أقرب لقلب أبيه ، أو قد يكون طليق اللسان أكثر من إخوته ، لكن هذا الذي أقل درجة من أخيه يُهمل ، فإذا أُهمل انعقد في قلبه الحقد على أخيه .
فأحياناً بطولتك كمؤمن لا أن تحمل الطفل الجميل الصغير تقبله وتداعبه ، بل عليك أن تعامل الإخوة الآخرين مثله تماماً ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمرنا أن نعدل بين أولادنا حتى في القُبَل ، فكيف بالحاجات ؟ إذا اشتريت حاجات فلتوزعها بالتساوي تماماً ، إذا أكرمتهم فبالتساوي تماماً ، والأكمل إذا كبر أولادك أن تعطيهم بالتساوي ، أحياناً، أكثر الأسر يسمحون لأكبر ولد أو أكبر فتاة تأخذ كل ما عند أهلها ، أمَّن له أبوه بيتاً وعملاً وما زال هناك أربعة أولاد، هذا عمل ليس فيه عدل ، يجب أن تعطي بالتساوي ، و اعلم أنك لا ترقى عند الله إلا إذا ساويت بين أولادك .

عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ أُمَّهُ بِنْتَ رَوَاحَةَ سَأَلَتْ أَبَاهُ بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ مِنْ مَالِهِ لِابْنِهَا فَالْتَوَى بِهَا سَنَةً ثُمَّ بَدَا لَهُ فَقَالَتْ لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا وَهَبْتَ لِابْنِي فَأَخَذَ أَبِي بِيَدِي وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمَّ هَذَا بِنْتَ رَوَاحَةَ أَعْجَبَهَا أَنْ أُشْهِدَكَ عَلَى الَّذِي وَهَبْتُ لِابْنِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا بَشِيرُ أَلَكَ وَلَدٌ سِوَى هَذَا قَالَ نَعَمْ فَقَالَ أَكُلَّهُمْ وَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ هَذَا قَالَ لَا قَالَ فَلَا تُشْهِدْنِي إِذًا فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ

[متفق عليه ، واللفظ لمسلم]

فأنا أدعوكم و القضية خطيرة ، وهذا توجيه النبي، و منهج الدين ، أدعوكم إلى العدل التام بين الأولاد وبين البنات وفق منهج الله عزَّ وجل ، ما دمت ستحاسب حتى في القُبَل ، فما قولك ببيتٍ خصصته لفلان ، وحرمت منه فلاناً ؟ في القُبل ستحاسب ، و الأبوَّة مسؤوليَّة .

والحمد الله رب العالمين