من شمائل الرسول صلى الله عليه وسلَّم شجاعته

بسم الله الرحمن الرحيم

من شمائل الرسول صلى الله عليه وسلَّم شجاعته .
ومن عظيم شجاعته صلى الله عليه وسلَّم
قال سيدنا علي رضي الله عنه في وصف النبي :

كان عليه الصلاة والسلام أجود الناس صبراً ، وأشجعهم قلباً ، وأصدقهم لهجةً ، وألينهم عريكةً ، وأكرمهم عشرةً ، وكان صلى الله عليه وسلم إذا اعترت الصحابة المخاوف أسرع بنفسه إلى كشفها وإزالتها

فالحقيقة أن السيطرة على قلوب الناس لها أسلوبها ؛ فهناك سيطرة ماديَّة ، قد تكون أنت أقوى منهم من حيث السُلطة ، أنت رئيس هذه الدائرة ، هذه سلطة مادية لكن لن تستطيع أن تكون سيَّدهم حقيقةً إلا إذا تفوَّقت عليهم ، عندئذٍ حقاً تكون مدير فعلاً قلباً وقالباً .
فالنبي الكريم اللهم صلِّ عليه ما أحبَّه أصحابه لأنه رسول فقط ، أو لأنه جاء بالقرآن ، بل لأنه كان بكل الكمالات البشريَّة متفوِّقاً ، فالشجاع إزاءه صغير ، والكريم إزاءَه صغير ، والحليم كذلك إزاءه صغير ، تفوق في كل مكارم الأخلاق ، فتفوق النبي عليه الصلاة والسلام هو الذي جعل أصحابه يخضعون إليه ، تفوق بالكمال بكل أنواعه ، أحياناً تجد شخصاً له مكانة عليَّة جداً ، عندما يكون في خطر تجده يرتجف ، فبهذا انتهى عند مرؤوسيه ، إذا رجف انتهى ، فسيدنا النبي كان شجاعاً.
عَنْ أَنَسٍ قَالَ :

كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَجْوَدَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ فَاسْتَقْبَلَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ وَهُوَ يَقُولُ لَنْ تُرَاعُوا لَنْ تُرَاعُوا وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ فِي عُنُقِهِ سَيْفٌ فَقَالَ لَقَدْ وَجَدْتُهُ بَحْرًا أَوْ إِنَّهُ لَبَحْرٌ

[رواه الشيخان]

سُمعت أصوات مخيفة ، لَعلَّهُ غزوٌ مفاجئ ، لعلها غارة صاعقة ، فهم خافوا ، فخرجوا ، فإذا بالنبي قد استطلع الخبر وعاد على فرسٍ عريٍّ وفي عنقه سيف وقد استطلع الخبر وقال : لَنْ تُرَاعُوا لَنْ تُرَاعُوا ، كان اللهمَّ صلِّ عليه شجاعاً .
وقال ابن عمر رضي الله عنهما :

ما رأيت أشجع ، ولا أنجد ، ولا أجود ، ولا أرضى من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلَّم إذا ألمَّت بهم الملمَّات وأحاطت بهم المخاوف لاذوا بجنابه الرفيع ، واحتموا بحماه المنيع صلى الله عليه وسلَّم

سبحان الله !
وقال سيدنا علي كرَّم الله وجهه :

كنا ـ أي معشر الصحابة ـ إذا حمي البأس أو اشتد البأس واحمرَّت الحدق اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، فما يكون أحدٌ أقرب إلى العدو منه

حتى في الحرب هو الأول ، أقرب إنسان للعدو هو رسول الله ، كان أصحاب النبي يحتمون به من بأس العدو .
إنسان إستثنائي ، في جميع الأمور فبالكرم كريم ، وبالشجاعة شجاع ، وبالحلم حليم ، وبالشدة شديد ، وبالعلم عالِم ،
قال أحد الصحابة :

ولقد رأيتني يوم بدرٍ ونحن نلوذ بالنبي صلى الله عليه وسلَّم وهو أقربنا إلى العدو وكان من أشد الناس يومئذٍ بأساً على الأعداء

أما يوم حنين ـ
والله عزَّ وجل قال :

(وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ)

[سورة التوبة]

في يوم حنين وقد ألقى الله الرعب في قلوب الصحابة ، لأنهم قالوا : لن نُغلب من قلَّة ، فاعتدّوا بقوَّتهم
فعَنْ أَبِي إِسْحَقَ قَالَ قَالَ رَجُلٌ لِلْبَرَاءِ :

يَا أَبَا عُمَارَةَ أَفَرَرْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَالَ لَا وَاللَّهِ مَا وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنَّهُ خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِهِ وَأَخِفَّاؤُهُمْ حُسَّرًا لَيْسَ عَلَيْهِمْ سِلَاحٌ أَوْ كَثِيرُ سِلَاحٍ فَلَقُوا قَوْمًا رُمَاةً لَا يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ جَمْعَ هَوَازِنَ وَبَنِي نَصْرٍ فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًا مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ فَأَقْبَلُوا هُنَاكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَقُودُ بِهِ فَنَزَلَ فَاسْتَنْصَرَ وَقَالَ: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ ثُمَّ صَفَّهُمْ

[متفق عليه]

وهذه نقطة مهمة جداً : لو كان النبي يدعي النبوة لكان في حنين ولَّى هارباً، أما لأنه نبيٌ صادق ، وهو واثق من نصر الله له فهو ثابت في أرض المعركة ، أحياناً الإنسان يتكلَّم كلاماً هو ليس قانعاً به ، أما إذا صار على المِحَك .. لو فرضنا مثلاً صنع دواء غير واثق من فعاليته، وغير واثق من سلامته ، وأراد أن يبيعه للناس ، وروَّجه ، و قال له واحد : استعمله أنت . فإذا رفض ، فمعنى ذلك أنه غير واثق به ، فعندما أقدم النبي اللهم صلِّ عليه والموت محقق ، لولا أنه نبيٌ صادق لما أقدم ، و لولى هارباً ، قال : أنا النبي لا كذب ـ أي ليست نبوتي كذباً ـ
قال عروة بن الزبير يوم معركة أُحد:
أن أُبَيَّ بن خلف المشرك قال يوم أحد : أين محمد لا نجوت إن نجا . قال : وقد كان أبيّ يقول للنبي صلى الله عليه وسلَّم حين افتدى يوم بدر: عندي فرسٌ أعلفها كل يومٍ فرقاً ـ أي مكيالاً كبيراً ـ من ذرةٍ لأقتلك عليها ، فقال عليه الصلاة والسلام :

أنا أقتلك إن شاء الله

هذه الثقة ـ فلما رأى أبيُّ النبيَّ صلى الله عليه وسلَّم يوم أحد ، شدَّ أبي بن خلف على فرسه ، يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، فاعترضه رجالٌ من المسلمين ، فقال عليه الصلاة والسلام هكذا :

تنحوا ولا تحولوا بيني وبين أبيّ بن خلف

وتناول النبي الحربة من الحارث بن الصمَّة الصحابي ، فانتفض النبي بها انتفاضةً ـ أي قام بالحربة قومةً سريعةً ـ تطايروا ، أي أبيّ بن خلف ومن معه من الكفار ، تفرقوا فارِّين بسرعة كالطيور ، ثم استقبل النبي أبيّ بن خلف بالحربة ، فطعنه في عنقه طعنةً تدأدأ ـ أي سقط ـ منها عن فرسه مراراً . فرجع أبيّ بن خلف إلى قريش وهو يقول : قتلني محمد ، وهم يقولون : ” لا بأس بك فقال لهم : لو كان ما بي من الألم والشدة لجميع الناس لقتلهم ، أليس قد قال : أنا أقتلك ، والله لو بصق علي لقتلني ثم مات أبي بن خلف بشرفٍ في قفولهم إلى مكة ، أي حين رجعوا إلى مكة .
ما أشقى هذا الإنسان الذي أراد أن يقتل النبي ، قال له : أنا أقتلك إن شاء الله ، و قال أبيّ : لو بصق عليَّ لقتلني.
أيها الإخوة … تحدَّثنا اليوم عن الشجاعة ، والمؤمن شجاع اقتداءً بالنبي عليه الصلاة والسلام ، وشجاع لأنه يعلم علم اليقين أن الأمر كلَّه بيد الله ، وأن الله مع المؤمنين ، وهذه الثقة التي يثق بها المؤمن بربه هي أثمن ما في إيمانه ، الثقة بالله عزَّ وجل ،
لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

والثقة كنز

والحمد الله رب العالمين